مقالات

الشكوكيّة: تجربة الشكّ الشخصية والجوّانيّة – جون سيمونز

ترجمة: إبراهيم الكلثم - مراجعة: أروى الفهد

(سلسلة مقالات يكتبها البروفسور جون سيمونز لمنصة معنى) 

 

كنتُ قد وصفتُ في مقالتنا الأولى طبيعة الأسئلة الفلسفية وجاذبيتها، وقلتُ إننا نجد طريقنا نحو الفلسفة في خِضم مشاكل الحياة العادية، فالمشاكل العملية العادية تقودنا إلى أسئلةٍ أساسية وعامة. وإحدى أبرز طرق الانتقال من العاديّ إلى الفلسفيّ تمرُّ عَبر الشك والارتياب.

يصعب أن نتصوّر شخصًا متفكرًا لا يقض مضجعه ضربٌ من الارتيابِ أو القلقِ الشكوكي بين الفينة والأخرى، فنحن نمرّ بالشكوكيّة (Skepticism) في حياتنا مرورًا عابرًا حينما تخامرنا أفكارٌ مُقلقة في وَهدةِ النومِ أو عندما تشوّش عقولَنا المخدرات أو المرض النفسي أو الملنخوليا. قد تنمو الأزمات الشكوكية فينا لحظة نسمعُ أخبارًا مفجعة أو حين نواجه فشلًا شخصيًا أو عندما ندرك فشلًا عميقًا غائرًا في أنفسِنا أو في نفوسِ من نحبهم. وقد نتساءل يومًا فيما لو كنّا قادرين حقًا على معرفةِ أي شيء معرفةً يقينيّة، أو عمّا لو كانتْ هذه الحياة مجرّد وهمٍ أو حلمٍ أو محض خدعة منمقة. فيما أثق؟ هل ثمّة أرض صلبة على هذا الجرف الهار، أم أن لعنةَ السقوطِ قد حلّت عليّ؟ تُشكل هذه التساؤلات تجربةً إنسانيةً مشتركة على نطاقٍ واسع، ولقد دفعتْ هذه التساؤلات بجانب معتبر من البحث الفلسفي عَبر تقاليد العالم العظيمة، روحيةً كانت أم فلسفية.

تُعد هذه التجربة الشخصية طريقًا من الطرق التي قد تأخذ بأيدينا إلى بدايةِ التفكيرِ تفكيرًا فلسفيًا. وأقولُ «طريقًا من الطرق»؛ لأن ثمة طرقًا أخرى؛ إذ اعتقد أرسطو -على سبيل المثال- بأن الفلسفةَ تبدأ من الدهشةِ أو الرهبةِ، بينما رأى أفلاطون أنّ الحبَ (أو الرغبة)َ هي ما يقودنا إلى الفلسفة. إنّ الفيلسوف، في رؤية أفلاطون، ينتقل من الرغبات العادية المعنية بالأشياء الجميلة في تجربتنا الحسيّة العاديّة إلى الرغبات الموجّهة نحو الأشياء العليا كلما تقدّم فهمنا وتَعاظم.

ويتحدث البوذيون عما يسمونه دخول-التيار (stream-entry)، ويقصدون بهذا المصطلح تلك اللحظة التي تخفّ فيها قبضةُ الحياةِ العاديةِ علينا ونلمح حينها شيئًا يتجاوزها. قد يدخل المرءُ إلى التيارِ فجأةً ودون مقدمات عقليّة، كتبصّر يوحى إليه في حمىً أصابته، أو بعد تجربةٍ استثنائية، أو عقب أزمة شخصية، أو بعدما صادف عملًا فنيًا، أو بعدما سَمِع قصةً محيّرةً كحكاية محيرة من حكايات الزِن (Zen koan). يُمكن أن نفهم دخول-التيار بوصفه لحظة تبصّر أوليّة في طبيعة نظام العالم الميتافيزيقي أو الأخلاقي، أو ما يسميه البوذيون «دارما».

ومع أن الشكوكيّة تشترك مع الرؤى الأفلاطونية والأرسطية والبوذية في بداية الفلسفة، إلا أنها تصب تركيزها بعد ذلك في التحديات التي قد تقدمها الحياة. إنّ تجارب الألم الشخصية التي تصاحب الفقد أو الصدمات أو تجارب الفشل أو اليأس قد تحيد سريعًا إلى ضربٍ من المزاج المتشكك الذي يقودنا بدوره إلى طرح أسئلة فلسفيّة أساسيّة. ومن نافلة القول إن الشكوكيّة ليست الطريق الوحيد نحو الفلسفة، لكنها تبدو مع ذلك متفردةً وواسعة الانتشار بين هذه الثقافات الفلسفية التي ازدهرت في تقاليد الديانات التوحيدية، أعني اليهودية والمسيحية والإسلام، فلقد استجابت هذه التقاليد الفلسفية لتقاليد الشكوكيّة التي سبقتها. كما أن تجربة الشك الشخصية والطُرق المختلفة التي قد يُجيب بها الفلاسفة عن الشك قد لعبت دورًا محوريًا في تطور فهمنا لأنفسنا بصفتنا أشخاصًا لهم حياتهم الداخلية ولهم أيضًا ضرب مميز من القيمة الشخصية والكرامة. فَمِن أوغسطين حتى الغزالي وديكارت من بعده، كان الرد على الشكوكيّة، وتجربة الانتقال إلى الداخل أو «الجوّانية» (inwardness) وتطور الذاتية، كل هذه الأمور قد كانت مرتبطة ببعضها بعضا. كان للتقاليد الثقافية الأخرى نمط الجوّانية الخاص بهم، بينما نمطنا له سمة مميزة يبدو أنها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالاستجابة الشخصية للأزمات الشكوكيّة.

في التقليد الفلسفي، تُقدّم الشكوكية الراديكالية نفسها بوصفها تحديًا لأساس معرفتنا، إذْ يُنكر المتشكّك المتطرف أننا نعرف أي شيء معرفةً يقينية. ولكن عند تأمل هذا الموقف سنجد أن النسخة الراديكالية من الشكوكيّة لا معنى لها؛ فكيف يزعم المتشكّك أنه يعرف بأننا لا نعرف شيئًا؟ فهل يُمكن وجود أسباب للاعتقاد بأننا لا نملك أسبابًا للاعتقاد؟ إنّ صياغة هذا الموقف على هذا النحو تجعل الشكوكية تبدو مخطئة بكل وضوح، أو لعلّها مجرد مفارقة لافتة للنظر. ولكن مع ذلك ما زالت الشكوكية أحد مُحرّكات البحث الفلسفي نظرًا لارتباطها بتجاربنا الشخصيّة في الشك.

تمرّ لحظات الشك في حياةِ كثيرٍ منّا مرورًا عابرًا ونعود بعدها إلى طمأنينتنا المعتادة، ولكن مع ذلك فإن لهذه اللحظات أهميتها بمعنى ما، فتلك اللحظات التي نلاحظ فيها بأن كل شيءٍ حولنا ليسَ صحيحًا قد تُزلزل العادات القاتلة في حياتنا اليومية، وقد تهزّ آليّات تفكيرنا الكسولة والواثقة. ولعلّ هذه اللحظات في صالحنا في حال أجبرتنا على إعادة النظر في أنشطتنا واِلتزاماتنا، إذْ يتسبب المزاج المتشكك في جعلنا نبدأ بمُساءلةِ ما نعتمد عليه: ما الذي يُمكن الوثوق به؟ ما الذي له قيمة فعلًا؟ وما الذي له معنى حقًا؟ لا بد أن تفسح الحياة البشرية الكاملة مجالًا لهذا النوع من الأسئلة.

قد تكون لحظات الشك التي تواجهنا لحظات عسيرة، وعادةً ما تغمرنا السعادة حين نهرب منها، أو حين نتخذ موقفًا متهكمًا إزاء حالتنا تلك. إنّ التهكمَ موقفٌ مريحٌ تجاه هذه التحديات، ولكنه مع ذلك موقفٌ غير مرضٍ. صحيحٌ بأننا مطالبون بالسعي إلى السلوان في مسرّات الحياة العادية، ولكننا نُدرك جميعنا بأن وجودًا يدور حول الراحة والمرح والأمن هو وجودٌ أدنى من كرامتنا؛ إذ إننا -بخلاف البقر في المزرعة والطيور على الشجر- نرى ما وراء الأفق الضيق للترفيه الخاص والأمان والتقدّم الشخصيّين؛ فنحن نعرف بأننا لم نخلق من أجل الدعة والشبع فحسب. وقد نتجه إلى كتب مساعدة الذات التي كتبها معلمٌ روحانيّ ما بحثًا عن وصفات جاهزة تمُكّننا من تحقيق نجاح محسوب أو رضا محدود، ولكننا مع ذلك سنتساءل غالبًا عمّا لو كانت الأهداف من قبيل التقدّم الشخصي والمكانة الاجتماعية أو حتى راحة البال والقناعة تستحق ما ظننّاه كذلك، في نهاية الأمر، أم لا. عندما نطرح أسئلةً شكوكيّة فإن عقولنا تتجه إلى ما وراء العادي والمحسوس والإجابات العمليّة.

أحيانًا تكون قدرتنا على رؤية ما وراء الأهداف العملية وقيم الحياة العادية لا تطاق، وفي أحيانٍ أُخَر تكون لحظات مجيدة. إنّ المزاج المتشكّك هو إحدى الطرق التي نرى من خلالها ما وراء أنفسنا بالتشكيك في صحّة وقيمة أقوالنا وأفعالنا. تحرّضنا شكوكنا على الابتعاد عن الوثوقية وثرثرة الجموع المسلّم بها، ولكنها أيضًا تجعلنا نحافظ على مسافة نقدية من رغباتنا وتفضيلاتنا: لماذا أريد ما أريد؟ وأي هذه الرغبات لي؟ وأيها زرعتها فيّ ثقافة الدعايات السائدة التي نسبح فيها؟ ما الذي يستحقّ العناء؟

ليس في مقدورنا التفلسف طول الوقت، وستمرّ هذه اللحظات لا محالة، فمطالب الحياة العادية ستتدخل، وستخفّ روح الشكوكيّة قبضتها علينا؛ فلا بد من إطعام الأطفال والكلب، ولا بد من تسديد الفواتير، ولا بد من إنجاز العمل. لقد وصف الفيلسوف ديفيد هيوم صعوبة التغلّب على مخاوفه الشكوكية باستخدام العقل وحده، لكنه اعترف بامتنان أن الحياةَ العاديّة تُلهينا عن الأسئلة الصعبة، إذْ كتبَ في كتابه «رسالة في الطبيعة البشرية»:

«إنّ العقلَ غير قادرٍ على تبديد هذه الغيوم، فالطبيعة نفسها تلبي هذا الغرض، وتُشفيني من هذه الملنخوليا الفلسفية والهذيان، وذلك إما بإراحة هذا الانشغال الذهني، أو بممارسة هواية من الهوايات، وبثّ الحيوية في حواسي؛ فتزول على إثر ذلك كل هذه الأوهام. إذْ أتعشى وألعب النردْ وأبادل أصدقائي الحديث وأتسلى معهم، وبعد ثلاث أو أربع ساعات من اللهو، أعود إلى هذه التكهنات فتبدو لي باردةً وجافة وسخيفة إلى درجة لا يمكنني أن أجبر بها نفسي على مواصلة بحثها» [الكتاب الأول، القسم السابع.]

لقد رأى هيوم الشكوكيةَ الراديكالية بلوى عارضة لا يقضي عليها العقل لوحده. أما اليوم، فإن عددًا قليلًا من الفلاسفة المعاصرين يسمّون أنفسهم مُتشكّكين؛ بالمعنى الصارم للكلمة الذي مفاده ببساطة أننا لا نستطيع معرفة أي شيء. ففي نهاية المطاف؛ أن تزعم زعمًا واثقًا بأنه لا يمكننا أن نعرف شيئًا لهوَ موقف يناقض نفسه بنفسه بكل وضوح. إذن -وبدلالة خطرة- فإن المتشكّك الراديكالي (أي، ذاك الذي يصل نطاق شكّه إلى كل شيء والذي يعتقد بكل صدق بأنه لا أمل في معرفة شيء) ليسَ إلا شخصية خيالية. إنّ المطالب العملية تعني بأن شخصًا كهذا الشخص لا يوجد إلا في خيالنا الفلسفي. وقد كتب جون لوك عن المتشكّك قائلًا:

«لن يكون موقنًا بشيء في هذا العالم إلا هلاكه العاجل. إنّ نفع طعامه وشرابه لن يمنحه سببًا كافيًا في تأمل نفعهما. وأموت شوقًا لمعرفة ما عساه يفعله حين لا يقوى على الشك أو الاعتراض في هذه المواقف.»

بمصطلحات عمليّة نقول: ليس ثمة طريقةً واقعية لمخلوقات مجسدّة مثلنا للحفاظ على موقف متشكك منفصل عن العالم لمدة طويلة دون الموت عطشًا. أشار لوك وهيوم إلى الطعام، وبالفعل، تكمن مشكلة الشك الفلسفي في أنه من أجل الحفاظ على وجود مُجسّد فمن الضروري أن تتصرف على نحو توجهه معتقدات بسيطة عن الطعام وصنابير ماء الشرب وسرعة تحرّك الباصات وأماكن المنحدرات.. إلخ.

وقد يدافع المتشكك الراديكالي عن نفسه بسهولة ضد هذه المخاوف، فيقول: حتى وإن لم يكن لي -لسوء حظي- وجودًا جسديًا، هنا على مكتبي، وفي موقعي هذا، فإن هذا لا علاقة له بصحة قولي من عدمه. فما أقوله، أو قلته، قد يكون صحيحًا -والحديث على لسان المتشكك- حتى وإن لم أكن موجودًا.

لعلّ الطبيعةَ كتومة؛ ترفض أن تكشف عن نفسها لحواسنا أو لدراستنا العلمية. وحتى وإن كشفت الطبيعة عن نفسِها؛ لعلي لستُ قادرًا على فهم معنى ما كشفتْ عنه. إن كان صدق ادّعائي عن العالم يعتمد على «واقعٍ ضِمْني» أو جانب آخر من جوانب الطبيعة يتجاوز تجربتنا المباشرة؛ فإنّ صِدق ادعاء معرفتي، دائمًا، واصطلاحًا، سيتجاوز قدرتي على التحقق من صحة ذلك الادعاء.

ثمّة شخصيات وسيناريوهات مألوفة لنا مبنية على صياغة معينة لهذه المشكلة: فنرى في فيلم المارتيكس (1999) كيف اختار «نيو» الحبّة الحمراء وهرب من عالم الماتريكس الزائف الذي حقنه في دماغه آلات شريرة، إنّ «نيو» باختياره هذا قد تركَ لديفيد هيوم ومن لفّ لفه الحبوبَ الزرقاء ولعبة النرد، وفضّل حياة الحقيقة على الأوهام المريحة. لعلنا نعيش نحن أيضًا في وهم؛ فكيف أعرف بأنني لستُ أحلم بكل هذا؟ كل ما أعيشه يبدو حقيقيًا، لكن هذا الظاهر لا يشير إلى شيء إلا إلى ظهوره؛ فهو يبدو حقيقيًا، لكن قد لا يكون كذلك.

إن الشكوكية الحديثة التي نجدها مصوّرةً في أفلام من قبيل ذا مارتيكس (1999) أو إنسبشين (2010) ليست نمط الشكوكية الوحيد في تاريخ الفلسفة، فلقد كانت الشكوكية بالنسبة للمتشككين الإغريق والرومان القدامى أسلوبَ حياة، فتهديد لوك المذكور بشأن الموت جوعًا أو عطشًا لم يكن همًا بالنسبة لهم؛ إذ إنهم رفضوا فكرة أن الاعتقاد بلا شيء يعني عدم قدرتك على القيام بفعل، بل على العكس تمامًا: فبالنسبة للإغريق القدامى، الشكوكية نفسها كانت ضربًا من الفعل. إنّ «Skepsis» كلمة إغريقية تعني البحث أو التحقيق، ولقد رأى المتشككون القدامى بأنه ينبغي علينا أن نصالح أنفسنا مع حالة من البحث المستمر، وأن لا نَقنع بصحة أي شيء. إنّ عقولنا لن تقنع أبدًا بإجابة نهائية عن أهم أسئلتنا، وعلينا أن نرضى بالعيش في حالة تعليق الحكم إلى الأبد. إنّ المتشككين، برفضهم رغبة المعرفة، كانوا يحاربون شيئًا اعتقدَ أرسطو بأنه جوهري في الطبيعة البشرية؛ إذْ كتب هذا الأخير أن كل البشر -بطبيعتهم- يرغبون في المعرفة. كان من الممكن أن يتفق المتشككون معه، لكنهم رأوا بأن رغبة المعرفة هذه ستكون دائمًا مُحبِطة. فبحسب الفيلسوف المتشكك پيرّون، بدلًا من أن نمتلك رغبة مُحبطة، حريٌ بنا أن نتخلص من هذه الرغبةِ نفسِها. إنّ التغلب على ضعفٍ بشري مثل الرغبة في المعرفة لم يكن ممكنًا دائمًا حتى لپيرّون نفسه؛ فقد وصفَ كاتبُ سيرِ فلاسفةِ الإغريق ديوجانس اللايرتي كيف أن پيرّون خاف من كلبٍ قد هاجمه ذات يوم. اعترف پيرّون بأن ضعفًا بشريًا اعتراه، وأنه يسعى جاهدًا لتجاوزه.

إن الشكوكية بالنسبة لفلاسفة، أمثال سيكستوس إمبيريكوس وپيرّون، هي أن يكبح المرء رغبته في فهم العالم أو تجاهلها. فقد جادل پيرّون قائلًا: بما أن رغبتنا في المعرفة لن تُشبع أبدًا، فإننا قادرون على بلوغ حالة الطمأنينة أو السعادة إنْ خلّصنا أنفسنا منها بقدر وسعنا، وعوضًا عن السعي إلى المعرفة، ينبغي علينا أن نسعى جاهدين إلى تعليق الحكم، وبدلًا من محاولة صياغة النظريات، يجب علينا نبذ كلّ الآراء. لكن، عمليًا، ليس واضحًا كيف يمكننا التخلّي عن كل آرائنا كما جادل لوك عن ذلك لاحقًا، لكن المغزى بالنسبة للمتشكّكين القدامى هو أنه لا يمكننا الجزم بصحة معتقداتنا؛ فكما يجادل سيكتوس إميبريكوس، إن الجزم بصحة ادعاء ما عن العالم يعني الجزم بأنه في حوزتي أساس أو قاعدة أقرر، بناءً عليها، صحة الادعاء. ولكن كيف نصدر حكمنا على موثوقية هذا الأساس أو المعيار؟ من المفترض أن يكون ذلك بواسطة أساس آخر، إذْ كتب سيكتوس قائلًا : «إن ثبوت صحة ذلك المعيار يعتمد على صحة المعيار الذي يثبت صحته، وهكذا دواليك» (135).

وحتى إن اقتنعنا بحجّة سيكستوس -ولا ينبغي علينا ذلك- فإن الفكرة التي مفادها أننا سنعثر على الراحة إن تخلينا عن رغبتنا في المعرفة قد رآها مفكرون قدامى آخرون غير مقنعة. يبدو عدم تصديق شيء طريقًا مستبعدًا إلى السعادة. لقد واجه القديس أوغسطين المقاربة الشكوكية نحو الحقيقة بإشارته إلى أننا في واقع الأمر نعرف قدرًا غيرَ يسير دون الحاجة إلى الوثوق بحواسنا أو الاعتماد على سلطات علمية، وقد قامت حجّته على حقيقة أننا عندما نُردفُ ادّعاءين بالحرف «أو» فإن الادعاءَ الجديد صحيحٌ في حال كان أحدُ الادعاءين أو كلاهما صحيحًا. فعلى سبيل المثال، لو قلت: «ثمة أعاصير على سطح القمر أو ثمة أعاصير في ولاية ميزوري»، فإنني أقول مقولةً صحيحة، فالعبارة في كليتها صحيحة. وتسليمًا بخاصية الفصل هذه، أي الجمل المتصلة ببعضها بالحرف «أو»، سيغدو ممكنًا أن نبين أننا نعرف الكثير من الأمور الصحيحة دون حاجة إلى أساس أو معيار صحة بالمعنى الذي طلبه سيكستوس. إذن، يمكننا على سبيل المثال أن نعرف أن الكون إما محدود أو لامحدود، وأن هناك شيئًا واحدًا أو أكثر من شيء واحد في الكون .. إلخ.

عزز أوغسطين القضاء على الشكوكية القديمة بإظهاره كيف أن منطق معرفتنا يسمح لنا بمعرفة الأشياء معرفةً يقينية. فحتى وإن شككنا في حواسنا وقمنا بمساءلة موثوقية السلطات العلمية؛ فنحن قادرون على أن نجد اليقين في داخلنا، وذلك بواسطة تأمل طبيعة قدراتنا الإدراكية نفسها. لقد كانت انعطافة أوغسطين إلى الداخل لحظة مفصلية في تاريخ الإنسانية. هل تذكرون قلقنا الشكوكي المذكور أعلاه: عندما سألنا فيما أثق؟ هل ثمّة أرضية آمنة على هذا الجرف الهار، أم أن لعنة السقوط قد حلّت عليّ؟ بالنسبة لأوغسطين، فإننا نجد أرضية المعرفة الصلبة بانعطافنا إلى الداخل.

كما رأينا، من المستبعد أن تجد شخصًا يعتقد -صادقًا- بأنه لا يعرف شيئًا، أو أن كل شيء قابل للشك فيه، فنحن نُثبتُ عمليًا بأننا لسنا متشككين عندما نفعل أمرًا ما، وعندما نأكل الساندويتشات، وعندما نرد على البريد الإلكتروني، وعندما نعتني بأطفالنا، بل وكما أظهر أوغسطين والغزالي ورينه ديكارت من بعدهما فإن حجة المتشكّك تنقض نفسها بنفسها. ولعلّ ما هو أهم من ذلك كله هو أن لحظة الشك هي ما مهد لكل من أوغسطين والغزالي وديكارت الطريق إلى تجربة هذا البعد الداخلي الذاتي العميقة. إنّ جانبًا كبيرًا مما يعنيه أن تكون فردًا حديثًا يعود إلى الجوّانية، أو تجربة الانتقال إلى الداخل التي ساعد هؤلاء الفلاسفة في استهلالها. وندين بالشكر إلى الشكوكية في نسختيها القديمة والحديثة على ذلك.

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق