مقالات

دوستويفسكي وغوغول وتسليمهما بالقيود المفروضة على الكُتّاب

جورجيان ماروني - ترجمة: آية علي

تتمثّل واحدة من الاستنتاجات المحبطة للغاية التي يصل إليها معظم الكُتَّاب في أثناء مسيرتهم المهنية في أنّ عملهم، مهما بلغت صعوبة محاولاتهم في نحته من أجل إيصال رسائل مُعيّنة لقُرّائهم، يغوص دائمًا في احتمالية سوء الفهم والتفسير. نشر كلٌّ من دوستويفسكي وغوغول أعمالًا تُوضّح هذه المشكلة وتفسّرها، بصورة ضمنية وصريحة على السّواء. في روايته المساكين، يُظهر دوستويفسكي -من خلال ردة فعل بطل الرواية مقار ديوفشكين على قصة المعطف لغوغول– الطريقة التي يميل بها الجمهور إلى نسب معانيهم الخاصة إلى الأدب، وذلك بناء على الرسالة التي يُريدون أخذها منه فقط. (حصل ديوفشكين، وهو نسّاخ فقير يعيش في بطرسبرج، على نسخة من القصة من خلال صديقته المقرّبة فارفارا التي أرسلتها إليه. وبعد ذلك بوقت قصير، كتب إليها مُعبّرًا عن غضبه، حيث قال إنّ القصّة أشعرته بالإهانة.) ويخلق غوغول في قصّته “المعطف” الفرصة لقرّاءٍ مثل ديوفشكين لإساءة تفسير عمله، وذلك عبر إلباسه رداء الغموض في المعنى والرسالة. أمّا في قصّته اللوحة، فهو يعالج مشكلة سوء القراءة معالجة مباشرة بعدّة طرق، مُوضحًا أسوأ الاحتمالات التي يتعرض لها فنان يفقد السيطرة على تداعيات عمله الفني لجمهوره. كذلك يُظهِر دوستويفسكي، من خلال محاولات ديفوشكين في النقد الأدبي في المساكين، نتيجة شائعة للغموض الذي يخلقه غوغول في عمله: القرّاء الذين لا يفهمون هدف الأدب ويأخذون بظاهره فقط سيسيئون تفسيره، ممّا يؤدي إلى حدوث التباس بشأن مكانتهم في المجتمع. والواقع أنّ دوستويفسكي يستخدم ديفوشكين لتمثيل النقاد الأدبيّين في عصره، فهو يشعر أنّهم غالبا ما يغفلون عن مغزى الأعمال التي يحلّلونها، ولكنّهم بالرّغم من ذلك واثقون من تفسيراتهم. وفي النهاية، يستسلم كل من دوستويفسكي وغوغول بشكل أساسي للإدراك بأن لا مناص من استنباط بعض الناس لمعانٍ لم يقصد المؤلفون مطلقًا نقلها في أعمالهم، ويستخدم كلٌّ منهما قصصه لإظهار إدراكه للقيود التي لا مفر للكُتّاب والفنانين من مواجهتها.

ويبدأ غوغول بمعالجة المشكلة في المعطف من خلال خلق شخصية ثانوية تسيء فهم الأدب بطريقةٍ مُضحكة ومبالغٍ فيها. يُفتَتح السرد بحكاية عن مفتش شرطة يعتقد أنّه تعرض لإهانة شخصية من عمل أدبي، فقد “أوضح ببساطة صارخة بأن الدولة وجميع قوانينها في طريقها إلى الانهيار، وأن اسمه المقدّس قد تعرض للإساءة بما لا يدع مجالا للشك. وللتدليل على صحة ادعائه فقد أرفق وثيقة إضافية تتمثّل في مجلدٍ ضخم…. حيث يظهر مأمور للشرطة بين كل عشر صفحات، وفي بعض الأحيان في حالة من السُّكر الشديد”[1]. والغرض من مفتش الشرطة بالطبع هو استخدامه كصورة كاريكاتورية؛ كمثالٍ مشين. ولكن في المساكين، يُظهر ديفوشكين نفس ردة الفعل على قصة “المعطف” نفسها، معتقدًا أنها كُتبت عنه بالتحديد، ولغرضٍ وحيد يتمثّل في إهانته والإساءة إليه. يفسّر ديفوشكين المعطف كقصةٍ مُباشرة وصريحة حول رجل فقير، يعمل بجد، ويتعرّض لاضطهاد المجتمع، ثم يواجه نهاية غير سارّة كنتيجة مباشرة لذلك. ويستجيب ديفوشكين للقصة بعواطف جياشة، لأنّه -مثله في ذلك مثل أكاكى أكاكيفيتش– نسّاخ فقير تبدو فرصته في الوصول للثراء والمكانة العالية ضئيلة. وفي الواقع، يتعمّد دوستويفسكي خلق ديفوشكين كشخصيةٍ مُشابهة لأكاكي أكاكيفيتش، وإن كانت شخصيته أكثر واقعية ومتعددة الأبعاد، وقادرة كذلك على إقامة علاقة مع شخص آخر (فارفارا)، في حين تمثّل عشق أكاكى أكاكيفيتش الوحيد في معطفه الجديد.

ولكن الحكاية المحددة الواضحة التي يقرؤها ديفوشكين ليست تلك التي يرويها غوغول حقا. وصحيح أنّ أكاكى أكاكيفيتش نسّاخ فقير يتعرض لسخرية دائمة من الأغنى منه والأقوى، إلا أنّ غوغول يلمّح إلى أنّ هوسه بالمعطف الجديد يعكس ميلاً مادّيًا، وأنّ هذا الميل، لا حالته الاجتماعية وسط طبقة أدنى، هو سبب تهاويه وموته في نهاية المطاف. توفي أكاكى أكاكيفيتش بعد تعرضه لسرقة معطفه في أثناء عودته إلى المنزل من حفلة أُقيمت له في الجزء الأغنى من مدينة سانت ببطرسبرج، مُشيرًا إلى أنّه لو لم يخرج للاستمتاع بملذات الدنيا التي فتحت أبوابها له مع حصوله على معطف جديد، لما تعرض معطفه للسرقة، وتحتم عليه السير إلى المنزل في الجو القارس، وإصابته بالمرض. يتجاهل ديفوشكين هذه الجزئية الضمنية من النص بالتحديد، ويعترض على حقيقة موت أكاكى أكاكيفيتش من الأساس، إذ نظر إلى نهاية قصة المعطف على أنّها إهانة أخيرة لرجل عاجز لا يملك أي مزايا تعويضية. ومع ذلك، فإنّ غوغول يسمح في الواقع لأكاكي أكاكيفيتش بالثأر من أولئك الذين عذبوه -حيث عاد كشبح وسرق معطف “الشخص المهم” الذي أساء إليه قبل أيام من وفاته، ويمكن القول إنّه حصل في الموت على بعض النفوذ الذي لم يحظ به مطلقا في حياته، وذلك بمطاردته لمدينة سانت بطرسبرج. يتجاهل ديفوشكين -مثله في ذلك مثل العديد من القراء الذين يشير إليهم دوستويفسكي ضمنا- هذا الوجه من القصة أو يسيء فهمه تماما، وبدلاً من ذلك، يقرؤها كحكاية غير معقدة من البؤس الذي لا مفر منه، والذي يختلف إلى حدٍ ما عن السرد الغامض متعدد الطبقات الذي ابتكره غوغول.

وبينما يشير غوغول بإيجاز في قصته المعطف إلى أولئك الذين يسيئون فهم الأدب عن عمد، إلّا أنّه يُسهب في مناقشة القضية في اللوحة، وهي قصّة تركّز على فنّانَين مُختلِفَين وفقدانهما السيطرة في النهاية على ما يحدث لفنّهما، ولأولئك الذين يتعاملون مع الفن. وتتمثل اللوحة الفخرية في صورة لمُرابٍ شديد الضراوة، رُسِمت بريشة رسام مجهول. وبعد وفاة المُرابي، تتخذ اللوحة صفات خارقة للطبيعة وتحمل روح المرابي الخبيثة عند انتقالها من الرسام إلى عددٍ من الأشخاص الآخرين، والذين اختبروا تغيُّرا مفاجئًا نحو الأسوأ في ثرواتهم بعد حصولهم عليها. يُظهر غوغول أن الرسام -الذي لم يكن ينوي خلق قوة شريرة خارقة، بل مجرد صورة واقعية مرسومة على نحو جيد- لا يملك أي طريقة لإيقاف المسار التدميري للوحة، أو لإقناع الأشخاص الذين لم يتعاملوا معها بعد بأنّها ستدمّر حياتهم. وفي الجزء الأوّل من القصة، يضطر فنان آخر يدعى تشارتكوف -لأسباب مادّية- رسم لوحات من أجل كسب لقمة عيشه، وهي لوحات لا يبذل فيها أي جهد ولا تحمل أية مشاعر، ولكن يعتبرها الناس تُحفا رائعة لموهوب عظيم، مُظهرا مرة أخرى أنّ ما يضعه الفنّان في عمله، وما يستنبطه الجمهور منه، يمكن أن يكونا مختلفين تماما. ففي حين يشعر تشارتكوف بأنّ لوحاته أصبحت “فاترة ومملة… ورتيبة ومُحدّدة سلفًا ومهترئة منذ فترة طويلة”، يشار إليه في الصُّحف المحلّية على أنّه رسّام “مُشرِّف ومُحترم” ويتمتع بمهارة عظيمة. ويُخفق الكُتّاب الذين يثنون عليه، مثل ديفوشكين، في فهم نوايا الفنانين، في إشارة من غوغول إلى نُقّاد زمانه الذين شعر بأنّهم كانوا مُضلّلين.

وفي الحقيقة، فقد أعاد غوغول كتابة قصة “اللوحة” بعد سبع سنوات من نشرها للمرة الأولى، مُعطِيًا العناصر الرائعة للقصة دورًا متزايدًا في الطبعة الثانية، وفاعلاً كلّ ما في وسعه للتأثير على الرسالة التي سيأخذها القُرَّاء من عمله (باسوم 419). من المثير للاهتمام -كما نرى في ملاحظات آن ماري باسوم في مقالتها “الروائع في نسختي غوغول من اللوحة” هو “الأسئلة الرائعة المتعلقة بطبيعة الواقع نفسه، وبعبارة أخرى، سؤاله عمّا إذا كان ما نعتبره طبيعة الواقع هو بالفعل طبيعة الواقع” (باسوم 420). وتُشدّد النسخة الثانية -الأكثر قراءة والأوسع انتشارًا- على العناصر الخارقة للطبيعة في القصّة، وذلك باستخدام التركيز على الظواهر الخارجة عن سيطرة الشخصيات، بغرض إظهار الاحتماليّة المتأصلة لسوء الفهم والتأويل في العالم. وبالنظر إلى الموضوعات الرئيسية في القصة نفسها، نجد أنّ قرار غوغول هذا لم يكن عرضيّا. وتعكس النسخة “النهائية” من النص وعي غوغول بعجزه عن كيفية فهم الناس لعمله، كما تعكس أيضا القلق الناجم عن هذا الوعي، وذلك من خلال مأزق الرسام الأول في القصّة، والذي يقضي معظم حياته في محاولة محو تأثير صورة المرابي عليه.

وفي المساكين، يفعل دوستويفسكي أمرين؛ تقديره لأعمال غوغول وإظهاره لفهمه الخاص للعديد من الأشخاص الذين لا بدّ وأن يسيئوا فهم أعماله، وذلك من خلال تصويره لشخصية ديفوشكين. وتتجلى محاولات ديفوشكين في فهم الأدب تجليًا واضحًا في رد فعله الساذج تجاه “المعطف”، ومحاولاته لإعادة كتابة الكتاب بطريقة يظن أنها ستكون أكثر ملاءمة، وذلك في قوله: “ومع هذا فسيكون من الأفضل ألّا يدع المسكين [أكاكي أكاكيفيتش] يموت، بل يدعه يستردّ معطفه، ويستدعيه “سعادته” الذي يُرقِّيه في الدرجة ويرفع مُرتّبه بعد تحرّياتٍ دقيقة عن مزاياه، وبذلك تنتصر الفضيلة وتُجازى الرذيلة في شخص زملائه”[2]. ما يثير الاهتمام هو أنّه مع وجود تشابه كبير بين حياة الإملاق التي يعيشها كل من ديفوشكين وأكاكي أكاكيفيتش، إلا أنّ شيئًا مشابهًا للغاية للنسخة التي أعاد ديفوشكين كتابتها لقصة المعطف يحدث له مع اقتراب نهاية قصته: فهو يحصل على زيادة في مرتّبه وعلى عمل أفضل من الذي كان يؤديه، فيكتسب بالتالي منزلة اجتماعية أعلى إلى حد ما. ولكن صديقته فارفارا تغادر لتتزوج من رجل غني وصاحب أملاك، ممّا يعني أنّها لن تعود قادرة على كتابة الرسائل إلى ديفوشكين، والتي كانت واحدة من مصادر الفرح القليلة في حياته. إنّ اليأس الذي يخلّفه رحيل فارفارا على ديفوشكين يفوق بكثير السعادة التي شعر بها مع التغيّر المفاجئ في حظوظه. ما فعله دوستوفيسكي هو أنّه جعل القرّاء الذين على دراية بعمل غوغول يعتقدون أنّه أعاد كتابة ” المعطف” ومنح القصة نهاية أكثر لطفًا، فقط ليدع ديفوشكين -مثله في ذلك مثل أكاكي أكاكيفيتش– لمصيرٍ مُظلم وكئيب في النهاية، وليُظهر أن قصة غوغول قد كُتِبت بتلك الطريقة لغرض معين، ولا يمكن تغييرها ببساطة لمجرد شعور البعض بأنّها قاسية للغاية.

ومن خلال محاولاته لإعادة ابتكار المعطف، يتعلّم القرّاء أن ديفوشكين ليس قارئًا مثقفًا للأدب، وهو لا يفهم أنّ كل القصص ليست أمثالاً رمزية تهدف إلى تعليمنا دروسًا أخلاقيّة غير معقّدة. إن غرض دوستويفسكي من تبسيطه المفرط للنص هو عكسه للطريقة التي أساء فيها نقّاد عصره تفسير غوغول، وهجائهم لهذا السبب، وذلك على حسب الملاحظات التي تشير إليها ريبيكا إيبستين-ماتفيف في مقالتها “النصيّة والتناص في رواية المساكين لدوستويفسكي”، حيث قالت:

من خلال سوء الفهم المباشر من شخصيته لنص ساخر بالفعل، يقدّم دوستويفسكي نسخة مبالغا فيها من قراءات معاصريه من النقاد للنصوص الغوغولية. وفي ذات الوقت، يبدو أن المؤلف يتوقّع استجابة بيلنسكي [أحد أبرز النقّاد] المتعاطفة مع ديفوشكين…. وهكذا، تمكّن المؤلف -على نحو متزامن- من إعادة كتابة قصة “المعطف” وبطلها، والسخرية المباشرة من القراءات بطريقة يعجز عن اكتشافها أبرز ناقد أدبي في تلك الفترة.

وتدعم حجج إيبستين-ماتفيف النظرة القائلة إنّ دوستويفسكي يهدف، من خلال رسمه المُتعمّد لموازاة للمعطف في المساكين، إلى مواصلة مناقشة التفسير الأدبي الذي يشعر بأن غوغول قد بدأه. ومن خلال رسمه لديفوشكين كناقدٍ أدبي هاوٍ، من بين العديد من مهامه الأخرى، يوفّر دوستويفسكي دليلاً حاذقًا للقراء حول الطريقة التي يجب عليهم تجنّبها عند قراءة قصصه، ويشير إلى أنّ هنالك دائمًا تقريبًا ما يمكن اكتسابه من العمل الأدبي أكثر ممّا هو ظاهر عند الفحص الأوّلي للنص. ولكن هل يصل هذا التلميح إلى قرّائه أم لا، فهذا أمر خارج عن إرادته.

ويفتح دوستويفسكي العديد من الاحتمالات في مناقشة النقد الأدبي، وذلك من خلال ديفوشكين وتفاعلاته مع عالم الأدب. وتُعدّ أراء ديفوشكين الراسخة بشأن فهمه الشخصي للكتابة -إنّه يفترض أنّ فهمه للأدب عظيم للغاية لدرجة تخوّله لأن يكون هو نفسه كاتبًا، كما يخبر فارفارا في بعض الأحيان، بكل ثقة وواقعيّة أن رأيه هو الرأي الوحيد الجدير بالاستماع فيما يتعلّق بتمييز الكتب الجيّدة من السيئة- جزءًا من الطريقة التي يصف بها دوستويفسكي النُّقاد الأدبيّين، والقُرَّاء الأقل تيقُّظًا بشكلٍ عام. ومن خلال تفسير شخصيّته لغوغول، يتمكّن دوستويفسكي من تعزيز إدراك ديفوشكين، وذلك كممثل للنّقاد الذين لا يفهمون التضمينات المُعقّدة التي تتسم بها الروايات، كما يتمكن في الوقت ذاته من إدخال غوغول وعمله -من خلال الإشارات- إلى المناقشة المتعلّقة بالتفسير الأدبي. وبقيامه بذلك، فإنّه يُظهر أوجه تشابه رئيسية بينه وبين غوغول: فهمهما لحقيقة أنّ معظم القرّاء لن يدركوا معاني أعمالهما كما أرادوها بالضبط، وتسليمهما بهذه الحقيقة في أعمالهما. يظهر هذا التسليم أنّهما لا يدركان حدودهما ككُتّاب فحسب، بل أنّها تمكّنهما في بعض الأحيان من التحايل -لدرجةٍ مُعيّنة- على هذه القيود، وذلك من خلال هجوها بطريقهٍ تجعل القرّاء الفطنين يكتسبون فِهما أفضل للطريقة التي كان يُفترض أن تُقرأ بها أعمالهما.

 


 

المصدر

[1] تمت الاستعانة بترجمة د. محمد الخزاعي لهذا المقطع من قصة المعطف.

[2] تمت الاستعانة بترجمة سعد الغزالي لهذا المقطع من رواية المساكين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق