مقالات

اللّغات الاصطناعيّة وحلم الانصهار اللّغوي – أنطونيوس نادر

لو تجاهلنا البُعد الاقتصاديّ ونظَرنا إلى العولمة من منطلق براغماتي، نجد أنّ المشهد الثقافيّ العالميّ لا يزال محافظًا على الاختلاف والتعدّد بحيث يتعذَّر صهرُه في بوتقة واحدة. ولا شكّ أنّ صناعة الأفلام والمسلسلات، كان لها السّبق في تحقيق حلم الانصهار ! انصهار يجمع بين المنتمين لعدَّة ثقافات مختلفة، بغضّ النّظر عن اختلافاتهم العِرقيّة والحضاريّة واللّغويّة. ولمّا كان هدف العولمة الأساسي هو التّأثير بشتّى الطرق، سعى الكثير من العلماء والمبدعين إلى تحقيق هذا الحلم عن طريق اللّغة، فشرعوا بابتكار لغات اصطناعيّة بمقدور كلّ فرد التكلّم بها. ففي عام 1629، وضع الفيلسوف الفرنسي “رينيه ديكارت” مخطّطًا لبناء لغة عالميّة قائمة على الأرقام، بحيث يمثّل كلّ رقم مفهومًا معيَّنًا. ومنذ ذلك الوقت، كانت هناك أكثر من 700 محاولة لإنشاء لغة اصطناعيّة (Artificial language).

المحاولات التاريخية لإنتاج لغة اصطناعيّة

بدأت المساعي لإنتاج لغة اصطناعيّة في القرن السابع عشر، عندما كانت اللّغة اللّاتينية تتراجع نسبيًّا وتتعرض للإهمال في مدارس أوروبا. أدرك الأوروبيون لأوّل مرة، العدد الهائل من اللّغات المختلفة المنتشرة في أصقاع العالم وعدم قدرة أي لغة أوروبيّة على تحقيق التّواصل المتبادل بين شعوب العالم. وأمام هذا التحدّي، وجدوا أنّهم بحاجة إلى لغة جديدة تسهّل التجارة والعمل وتبادل المعلومات.

اعتقد العلماء في ذلك الوقت، أن “الواقع” يمكن اختزاله إلى مجموعة محدودة من “الفئات” الّتي أطلقوا عليها اسم “المفاهيم Concepts” ولسانيًّا تسمّى “مدلولات signified”. يُمكن بعد ذلك إعطاء كلّ مفهوم رمزًا أي دالًا (signifier)، ممّا يؤدّي إلى خلق لغة عالميّة لا تعتمد على لغة الفرد الأصليّة.

حاول اللّسانيّون، وكان معظمهم من الفلاسفة، تجاوز اللّغات الحيّة وبناء لغة رمزيّة دلاليّة (a priori semantic Language). ولنا نماذج لِلُغات من هذا القبيل مثل لغة النّوتات الموسيقيّة ولغة الأرقام.

وقد ترسّخ هذا السّعي، خلال المواجهات بين أوروبا والصين؛ إذ كان كلّ حرف من الحروف الصينيّة، بنظر العامّة من الأوروبيّين، هو رمز تصويريّ لمفهوم محدّد. فاعتُبرت اللّغة الصينيّة آنذاك “لغة مفاهيم” – وهي غير ذلك – حيث لكلّ مفهوم رمزٌ خاصٌ به.

من حيث الاستخدام العملي، اتّضح أن المشكلة الرئيسة في هذا النّوع من اللّغات الاصطناعيّة تكمن في الحدود الطبيعيّة بين المفاهيم، والّتي هي صعبة التّحديد فلسفيًّا. كما أنّها ليست أقلّ اعتباطيّةً من مفاهيم اللّغات الحيّة. ولا شكّ أنّ ابتكار لغة، تختزل كلّ المفاهيم تتطلّب أن يكون لدى المتعلمّ ذاكرة قويّة لحفظ الرّموز. وهذا مستحيل عصبيًّا، لذلك أصبح تعلّم هذا العدد الهائل من الرّموز مهمّةً شاقّةً مستحيلة التحقيق.

وبحلول القرن التاسع عشر الميلادي، أصبحت فكرة إنتاج “لغة مفاهيم رمزيّة دلاليّة” غير صالحة. ومن أبرز هذه المحاولات لغة (Solresol)، الّتي اخترعها أستاذ الموسيقى الفرنسي:”جان فرانسوا سودر”؛ هي لغة عالميّة تستند إلى مبدأ أن النّونات الموسيقيّة (Do, Re, Mi…) ، يُمكن استخدامها كوحدات خطيّة (Graphemes) لإنتاج لغة عالميّة. هذا من شأنه تخفيف الحاجة إلى حفظ الآلاف من الرموز.

استخدم فرانسوا مبدأ “التوليف Combination”، بحيث يكون الدّمج بين نغمتين موسيقيّتين، يشير إلى كلمة نحويّة معيّنة مثلًا (dore = أنا \ domi  = أنت(. في حين أنّ الكلمات الشّائعة، يُستخدم للإشارة إليها ثلاث نغمات مثلًا (doresol = الشهر \ doredo = الوقت(. أمّا الأضّداد الدلاليّة، فاستخدم الانعكاس المقطعي لإشارة إليها مثلًا (misol = خير \ solmi  = شر).أمّا التّوليفات الرباعيّة، فقد قُسّمت إلى مستويات معجميّة-دلاليّة مختلفة؛ فمثلًا إنّ كلّ توليف يحتوي على النوتة “la” يشير إلى مفهوم أي إلى مدلول معيّن يتعلّق بالحقل المعجميّ للتّمويل أو التّجارة.

ولكنّ لغة “solresol”، محدودة كونها تتألّف من سبعة مقاطع فقط، بالإضافة الى عدم اطّراد قواعدها بحيث كان من السّهل خلط المقاطع الصّوتيّة.

 

لم يكن فشل المخطّطات الأولى سوى بداية لخلق نهج جديد؛ انطلق هذا النهج من اللّغات الوضعيّة الحيّة، وتُسمى هذه اللّغات الاصطناعيّة: “اللّغات الاستدلاليّة (Posteriori Language)”. هي لغات فعليّة لها قواعد اللّغات الوضعيّة ولكنّها مبسّطة. وأوّل حركة، واسعة النطاق في هذا المجال، تتمثّل في لغة ڤولابوك (Volapük)، وهي مشروع لغة اتّصال دولیّة، اخترعها القسّ الكاثوليكيّ الألمانيّ الأصل “يوهان مارتين شلاير” في سنة 1880.”ڤولابوك” لغة هجينة (Hybrid Language)، تتألّف من ستة وعشرين حرفًا من الأبجدية اللّاتينية باستثناء الحرف q و w.

 

وقد تلى هذه المحاولة، سلسلة من المحاولات وكان أكثرها نجاحًا لغة “الإسبرانتو “Esperanto، الّتي ابتكرها الطّبيب البولندي “لودفيك العزر زامنهوف” في عام 1887. معجم (Lexicon) الإسبرانتو، هو نتاج تغيير معجمي ((Relexification، لمعاجم بعض اللّغات المتحدّرة من أصل لاتينيّ ومن اللّغة اللّاتينيّة نفسها بالإضافة إلى اليديشيّة، وتاليًا هي قريبة بشكل نسبيّ للّغة السلافيّة، ووثيقة الصّلة بالعبريّة الحديثة. وتجدر الإشارة إلى أنّ قواعد الإسبرانتو، يُمكن تكثيفها في صفحة واحدة إذ ليس هناك استثناءات في قواعدها التركيبيّة.

 

اللّغات الخياليّة…والإنتاج السّينمائيّ

اللّغات الخياليّة هي مجموعة فرعيّة من اللّغات الاصطناعيّة، وهي تختلف عن اللّغات الّتي سبق وذكرناها آنفًا أنّه تمّ إنشاؤها كجزء من عمل خياليّ أي للاستخدام في كتاب أو فيلم أو برنامج تلفزيونيّ أو لعبة فيديو. عادةً ما يبتكرها شخص واحد، في حين أن اللّغات الطبيعيّة هي تطوّر من ثقافة معيّنة أو مجموعة أشخاص. تختلف اللّغات الخيالية أيضًا عن اللّغات الحيّة من حيث أنّ الأولى لا تحتوي على متحدّثين أصليين.

وغالبًا ما يتم تصميمها، بقصد إعطاء المزيد من العمق والعقلانية والوقعنة للعوالم الخياليّة الّتي ترتبط بها، كما تهدف إلى حبك التّواصل بين شخصيات العمل الخياليّ. وفي داخل هذه العوالم، تعمل اللّغات الخياليّة عمل اللّغات الطبيعيّة في العالم الواقعيّ، فهي تُسهم في تحديد الأعراق وهويّات الشّعوب الخياليّة الّتي تتحدّث بها بهدف تمييزها عن غيرها.

وبالقياس مع مصطلح “conlang” أي لغة تركيبيّة، يتمّ استخدام مصطلح “conworld”، لوصف هذه العوالم الخياليّة، الّتي تسكنها هذه الشّعوب. وتقوم المعاجم الّتي تبنى عليها اللّغات الخياليّة، بدورٍ لا يقلّ أهميّةً عن الـتّأثير النفسانيّ الذي تثيره شخصيات العمل الخياليّ نفسه؛ يطمح منتجها، بشكل أو بآخر، إلى استنباط مفردات جديدة تحلّ محلّ المعجم المستعمل في اللّغات الطبيعيّة. إنّ هذا الاستبدال المعجمي وشيوعه على الألسنة، يزيد من شهرة العمل السينمائي ومن المردود المادّي التجاريّ. ولا يغيب عن بالنا أن نذكر، التأثير البصري عبر الطريقة الّتي تقوم بها هذه الثقافات الخياليّة، بعرض نقاط الفصل بين الألوان الّتي تعتمدها أو الرّموز والشعارات الخاصّة بها والّتي لها وقع وتأثير بالغ على المشاهد.

فما رأيك بمسلسل حصد أعلى نسبة مشاهدة في العالم؟ مسلسل يطرق باب مخيّلتك من مقبض الواقع! من مجتمعك الحميم، من العائلة وتشعّباتها العلائقيّة، من حقائق سياسيّة سمعتها عبر التاريخ وتختبرها اليوم كمواطن من مثيل الصّراع الجيوبوليتكي، والحروب الدمويّة والسياسيّة والاقتصاديّة بين الدول للاستلاء على العرش (القرار الدّوليّ)! إنّه مسلسل “صراع العروش” (Game of thrones)، من إنتاج شركة HBO والذي تفوّق على غيره من الإنتاجات السنيمائية المماثلة من حيث ضخامة الإنتاج ولسانيًّا أيضًا من خلال تقديمه للغة اصطناعيّة متطوّرة جدًّا.

فإن لم تكن تحبّ اللّغة الفرنسيّة او الإسبانيّة في المدرسة، فقد ترغب في تعلّم بعض من هذه اللّغات كالدوثراكي (Dothraki)، وهي لغات خياليّة في مسلسل “صراع العروش”، والّتي تجري أحداثه وفق سلسلة روايات جورج ر. مارتن الخيالية:” أغنية من ثلج ونار A Song of Ice and Fire”

 

الدوثراكي والتّأثير العربيّ.

لغة Dothraki هي لغة يتحدّث بها “الدوثراكيّون” في عالم المسلسل الخياليّ، وهو شعب قبائليّ بدويّ يشبه القبائل الهندو-أوروبيّة، يعيش في مروج واسعة ويكسبون قوتهم عن طريق الغنائم. في الكتاب اخترع مارتن بعض كلمات هذه اللّغة لكنّها لم تكن سوى محاولات بسيطة.  فكان من الأفضل – بحسب منتجي المسلسل – أن يتمّ تطوير اللّغة لتصبح الأحداث أكثر إقناعًا، بحيث يبتعد الممثّلون عن تكلّم اللّغة الإنجليزيّة بلكنة ثقيلة بربريّة إذا صحّ التعبير. فاستعان المنتجون بالعالم اللّغوي ديفيد ج. بيترسون، فقام بتطوير “الدوثراكي” وفق آليات اللّسانيات الطبيعيّة آخذًا بالاعتبار ثقافة الدوثراكيّين وعناصر حياتهم، وذلك بهدف بناء معجم لغويّ يعكس قيم عالمهم وكيف ينظرون إلى المواقف الحياتيّة المتنوّعة.

 

ويمكننا دراسة “الدوثراكي” وفق مستويات التحليل اللّساني؛ على المستوى المعجمي، يحتوي معجم الدوثراكي على 3163 كلمة وهو في طور التطوير. على المستوى المورفولوجيّ، هناك العديد من الأمثلة عن الاشتقاق الصّرفي، ولكن تجدر الإشارة إلى أنّ الجزء الأكبر من هذه الاشتقاقات، هي أجزاء لا يمكن فصلها عن هيكل المفردات ولا يمكن أن تُستخدم لاختراع كلمات جديدة، وهذا يختلف تمامًا عمّا نراه في اللّغات الطبيعيّة حيث يمكن استخدام السّوابق (Prefixes) واللّواحق (suffixes) والدّواخل (infixes) لإنتاج مفردات جديدة. على المستوى التركيبي (Syntax)، تقوم الجمل على ترتيب هيكليّ هو (فاعل – فعل – مفعول به) أو ما يعرف ب (SVO) تمامًا كاللّغة الانجليزيّة أمّا الجمل فهي لا تحتوي على فعل رابط (Copula) أي أنّ عمليّة الإسناد تحصل من دون الحاجة إلى فعل رابط أو ضمير فصل، وتوضيحًا لهذه الخاصيّة إليكم المثل الآتي.

في العربيّة، تعدّ جملة ”فادي محاربٌ” جملةً صحيحةً من حيث منطق النحو العربي، حتى لو لم تكن تحوي الجملة على فعل رابط أو ضمير فصل. وأصل هذه الجملة في البنية العمقيّة: “فادي هو محاربٌ”. أمّا في الإنجليزيّة فإنّنا نحتاج إلى “copula” وهو الفعل “to be”، حتى يستقيم المعنى والتركيب إذ نقول “Fady is a fighter”. في الدوثراكي نقول “fady lajak” والّتي تعني حرفيًّا “فادي محاربٌ”. من هنا نلحظ أنّ الدوثراكي قريبة جدًّا من العربيّة من حيث التركيب، وكلّما تعمّقت في قواعدها أكثر اكتشفت مدى قربها من العربيّة.

 

معوقات كثيرة تعترض تحقيق حلم الانصهار اللّغوي

يمكن اختصار الأسباب الّتي تمنع اللّغات الاصطناعيّة من تحقيق هدفها الرئيسي ألا وهو التوحيد اللّغوي أو ما سمّيناه بحلم الانصهار اللّغوي بأبرز النقاط الآتية:

أولاً، إن اللّغات الاصطناعيّة مثل “الإسبرانتو” ليست وسائل اتّصال محايدة لغويًّا لأنها مستمدّة أساسًا من إحدى اللّغات الطبيعيّة، وعادةً ما تكون لغة تنتمي إلى دائرة اللّغات الهندو-أوروبية.

ثانيًا، تتطلّب من متعلّمها بذل جهد كبير؛ فكثير من البالغين لم يتعلّموا لغةً ثانيةً على الإطلاق، والذين تسنّت لهم الفرصة أن يكتسبوا لغةً أخرى عليهم أن يتعمّقوا في مستوياتها اللّسانيّة.

ثالثًا، تعد لغة الفرد الأم جزءًا من هوّيته وتراثه الحضاريّ والثقافيّ، وهو شيء لا يتمّ التخلّي عنه عن طيب خاطر. لذلك فمن غير المرجّح، أن تحلّ محلّها لغةٌ اصطناعيّةٌ، من دون أيّ رافد حضاريّ. ولعلّ ذلك ما دفع بمنتجي الأفلام إلى ربط اللّغات الاصطناعيّة بشعوب خياليّة تتمتّع بحضارة تشبه الحضارة الإنسانيّة.

رابعًا، في حال تمّ اعتماد لغة اصطناعيّة عالميّة، فإنّها سوف تخضع كما تخضع اللّغات الأم لقوانين اللّسانيّات الجغرافيّة بحيث سينتج عنها لهجات محليّة وسرعان ما ستبدأ هذه اللّهجات في التحوّل إلى لغات منفصلة، تمامًا مثلما حصل باللّغة اللّاتينيّة الّتي انقسمت إلى الفرنسيّة والإيطاليّة والإسبانيّة…

وقد سبق وشهد العالم، هذا الحدث حيث كانت هناك تمرّدات بين الإسبرانتيّين (نسبةً إلى لغة الإسبرانتو الاصطناعيّة) حين قامت مجموعة منفصلة بإنشاء لغة أخرى اسمها “Ido”، وهي نسخة مبسّطة من الإسبرانتو. لذلك ومن الناحية البرغماتيّة، لم ينجح مشروع اللّغة الاصطناعيّة أمام اللّغة الإنجليزيّة، وهي اليوم الأقرب إلى كونها لغة عالميّة.

في ختام هذا المقال نتساءل:”ما هي العبرة من كل هذا النقاش العالميّ حول أهميّة التنوّع اللّغوي واللّغات الدّوليّة إذا كان الهدف المبطّن للعولمة التّوحيد والانصهار؟” في الواقع، لدينا كلّ الأسباب الّتي تجعلنا نعتقد أن العديد من اللّغات الحيّة – إن لم يكن معظمها – سيستمرّ التحدث بها في المستقبل. فالأكثريّة السّاحقة من البشر – إن لم يكن جميعهم – يؤمنون بأنّ تنوّع اللّغة ليس مجرّد حادث اعتباطيّ في التّاريخ، بل هو غاية في حدّ ذاته، فاللّغة جزء من تراثنا الثقافي يستحقّ المحافظة عليها لكونها حاملة الحضارة. وفي هذا السّياق، لا نستغرب تلك المشاريع والتحرّكات الّتي تسعى للحفاظ على اللّغات المهدّدة بالزّوال أمام صراع اللّغة الأقوى وتحدّيات العولمة.

 

 


المراجع :

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق