مقالات

النزعة العلمية وافتتان الفلاسفة بالعلم – د.صلاح إسماعيل

 

1 تعريف النزعة العلمية

هل يستطيع العلم وحده أن يزودنا بمعرفة حقيقية عن العالم وعن أنفسنا؟ هل العلم هو المرشد الوحيد لما هو موجود؟ جواب النزعة العلمية scientism عن هذين السؤالين: نعم. ولكن ما عسى أن تكون النزعة العلمية؟ ها هي بعض التعريفات:

– النزعة العلمية هي الاعتقاد بأن العلم، والعلم الطبيعي خاصة، هو الجزء الأعظم قيمة في المعرفة البشرية – وهو الجزء الأعظم قيمة لأنه الأكثر جدارة بالثقة والقبول، والأكثر جدية، والأكثر نفعا. (Tom Sorell, 1994: 1)

– “النزعة العلمية هي الدعوى القائلة إن كل المشكلات المعرفية تعالج كأحسن ما تكون المعالجة عن طريق التناول العلمي”. (Mario Bunge, 2017: 137)

– النزعة العلمية على وجه التقريب هي الرأي القائل إن العلم وحده يمكن أن يزودنا بمعرفة أو اعتقاد عقلاني، وأن العلم وحده يمكن أن يخبرنا بما يوجد، وأن العلم وحده يستطيع أن يوجّه أسئلتنا الأخلاقية والوجودية توجيهًا فعّالاَ. (Jeroen de Ridder, Rik Peels, and Rene van Woudenberg , 2019:1)

وهناك أربعة ملامح مشتركة للنزعة العلمية، يمكن وصفها في العقائد التالية:

(Richard N. Williams and Daniel N. Robinson, 2015: 6-7)

1. العقيدة الأولى أن المعرفة العلمية الموثوق بها تعدّ معرفة حقيقية. وكل شيء آخر هو مجرد رأي أو هراء. والمعرفة العلمية يتم تعريفها في حدود المنهج الذي نحصل به عليها. ومن ثم يجب أن تتمسك النزعة العلمية أيضًا بأن هناك منهجًا (أو فئة من المناهج) موثوقًا وقابلاً للتحديد يعد علميًا. وسوف يسمح أنصار النزعة العلمية بأنه لا يوجد منهج علمي واحد. ولكن سوف يوجد لبّ مشترك في أعماق كل المناهج التي تشكّل العلم. ولا بد من أن نلاحظ هنا أن هناك افتراضًا آخر يقف وراء هذا الزعم حول المنهج العلمي، ألا وهو افتراض أن العالم فقط يكون (ميتافيزيقيًا) من طبيعة تقدم ذاتها لهذه المناهج وليس لمناهج أخرى، ومن ثم يكون اصطناع المناهج العلمية ليس شرعيًا فقط للمعرفة الحقيقية، وإنما يكون ضروريًا لها أيضا. 2. إذا صحت العقيدة الأولى، لزمت العقيدة الثانية على نحو لا إشكال فيه. وهو الزعم بأن المناهج والافتراضات الكامنة وراء العلوم الطبيعية، بما في ذلك المذاهب الإبستمولوجية والميتافيزيقية، ملائمة لكل العلوم، بما فيها العلوم الاجتماعية والإنسانية بشكل بارز. والرأي الناتج عن ذلك هو أن الفنون، إذا سعت إلى أن تكون أكثر من أسطورة وتعبيرًا ذاتيًّا، فلا بد من إدراجها تحت مظلة العلم. وإذا تعذر ذلك، يجوز أن يحدث تقارب، وشروطه سوف يُمليها العلم (وإن شئت الدقة فقُل النزعة العلمية).3. هذا الموقف تجاه الفنون والعلوم اللينة يوضح الاعتقاد الثالث للنزعة العلمية. ينضج العلم ويعزّز الثقة المبالغ فيها في العلم (أي العلم الطبيعي في جميع صوره) لإنتاج المعرفة وحلها المشكلات التي تواجه البشرية. هذه الثقة ستكون معقولة فقط إذا كان العالم، في كل جانب من جوانب الواقع، ذا طبيعة مناسبة للدراسة من قبل علم جرى تصوره وبناؤه مثل علمنا الطبيعي الحالي، وهذا ينتج معرفة بمناهج مثل التي دبرنا استعمالها للعلم الطبيعي الحالي. في هذه الثقة، ندرك مرة أخرى أن النزعة العلمية تضع افتراضات حول طبيعة الواقع  وتكون ميتافيزيقية في طبيعتها.4. العقيدة الرابعة للنزعة العلمية توضح الافتراض الضمني حتى الآن وراء الثلاث الأخرى. النزعة العلمية ليست مجرد موقف من العلم وقوته. وإنما تضع النزعة العلمية دعاوى ميتافيزيقية. محجوبة أحيانًا، وغير محجوبة أحيانًا أخرى. ومن بينها أن العالم يجب أن يكون بالفعل مثلما تفترض مناهج العلم الطبيعي المعاصر أن يكون. وخلاف ذلك، فإن مزاعم شرعية وقوة العلم ستكون بلا أساس. وتفترض النزعة العلمية وتتطلب ميتافيزيقا طبيعية ومادية بدلا من الميتافيزيقا الميكانيكية. هذه الميتافيزيقا مهمة للنزعة العلمية إلى درجة أنها أصبحت ملمحًا جوهريًا لها. والالتزام بهذه الميتافيزيقا مبرز بين الأفكار التي تمنح الطاقة للمدافعين عن النزعة العلمية والذين يسعون إلى نشرها.وبعد هذا الذي عرضته عليك من تعريف النزعة العلمية وسماتها، أرى أنك تلاحظ معي أن هذه النزعة لا تظهر في صورة واحدة، وإنما تتخذ صورًا كثيرة. فهناك النزعة العلمية القوية والضعيفة، وهناك النزعة العلمية الأنطولوجية والإبستمولوجية، وهناك النزعة العلمية المنهجية والأخلاقية، وهناك النزعة العلمية الحديثة والمعاصرة، ونحو ذلك. ويجب على الناقد للنزعة العلمية أو المؤيد لها أن يكون على وعيٍ بالصورة التي ينقدها أو يؤيدها، وسر ذلك أن كل صورة سوف تترتب عليها نتائج خاصة بها، بالإضافة إلى الأصل العام الذي تشترك فيه كل الصور، وهو وضع قيمة عالية على العلم بالمقارنة مع فروع المعرفة البشرية الأخرى.خذ مثلاً يوضح اختلاف صور النزعة العلمية. تقول النزعة العلمية الإبستمولوجية القوية لا توجد معرفة حقيقية إلا من خلال العلوم الطبيعية، وفي هذا السياق يقول رسل: “كل ما يمكن معرفته، يمكن معرفته عن طريق العلم”. (Bertrand Russell, 1946: 863)بينما تقرر النزعة المعتدلة منها أن العلوم الطبيعية تقدم طريقًا معقولاً وموثوقًا إلى المعرفة. وهكذا تتعلق النزعة العلمية الإبستمولوجية بمعرفتنا، واعتقاداتنا الصادقة والعقلانية. أما النزعة العلمية الأنطولوجية فتتعلق بما يوجد وما لا يوجد. ويعبر عن صورتها القوية الزعم “بأن الأشياء التي توجد هي وحدها التي يكتشفها العلم عند نقطة ما”. (Roger Trigg, 1993:70)ويستطيع صاحب الصورة الضعيفة، ناهيك عن خصوم النزعة العلمية، أن يرفض هذا الاسراف في الرأي، ويردّ بأن هناك مراحل ومناطق ضخمة من الكون ربما لا نستكشفها أبدا.

وتحظى النزعة العلمية بتبجيل وتقدير من قبل أنصارها الذين سأعرض عليك بعض أفكارهم، ولكن خصومها، وخاصة فلاسفة ما بعد الحداثة، ينظرون إليها نظرة سخطٍ شديد لأنها تهدم مذاهبهم.

 

2-   النزعة العلمية في الفلسفة المعاصرة

تضرب النزعة العلمية بجذورها في التاريخ الفلسفي الغربي، ومن بين مصادر إلهامها التجريبية، والوضعية عند أوجست كونت، والوضعية المنطقية.

ونستطيع الإشارة إلى صورتين من النزعة العلمية، من بين صور كثيرة، في الفلسفة، إحداهما حديثة نسبيًا وفلسفية على نحو ضيق، والأخرى قديمة نسبيًا وأوسع مجالاً. والنزعة العلمية الجديدة هي رد فعل ضد أولئك الذين يكتبون الفلسفة في تجاهل للعلم والذين يذعنون كثيرا للحدوس قبل العلمية والحس المشترك. وهي أيضًا رد فعل ضد التجاوزات الميتافيزيقية المفترضة للفلسفة التقليدية مع جواهرها وحوادثها العقلية غير القابلة للرد، ومثلها الأفلاطونية، وذواتها المتعالية. والفلسفة الملتزمة بالنزعة العلمية الجديدة لا تعترف إلا بوجود الأشياء التي يلتزم بها العلم بالفعل، وتنقل ألفة مع اكتشافات وعادات عقل الفيزيائيين الممارسين وعلماء الأحياء وعلماء النفس. وأحيانا تعيد تصنيف نفسها بوصفها فرعا من العلم، كما هو الحال عندما جرى إعادة تعريف الإبستمولوجيا بوصفها فرعًا من العلم. وتصرّ النزعة العلمية القديمة على أن القيادة للعلم ليس فقط بالنسبة للفلسفة وإنما بالنسبة للثقافة ككل. وهذه الصورة من النزعة العلمية تضرب بجذورها في الماضى إلى عام 1600 على الأقل. وعبّر عنها في القرن العشرين أعضاء جماعة فيينا مثل كارناب، ورايشنباخ، ونيورات، وغيرهم من التجريبين العلميين. (Tom Sorell, 1994: x)

2- 1  جماعة فيينا والتصور العلمي للعالم

جاء في بيان الجماعة الذي اتخذ عنوان “التصور العلمي للعالم: جماعة فيينا”، وصاغه هانز هان وأوتو نيورات ورودلف كارناب، ما يلي:

“في عام 1922 تم استدعاء موريتس شليك من كيل إلى فيينا … وتجمع حول شليك في غضون الوقت دائرة اتحدت مساعي أعضائها المنوعة في اتجاه مفهوم علمي للعالم. وقدم هذا التمركز إلهامًا مثمرًا متبادلاً. ولم يكن أحد من الأعضاء يسمى “فيلسوفا خالصًا”: فقد أدّوا جميعًا عملهم في مجالٍ خاص من العلم. زذ على ذلك أنهم جاءوا من فروع مختلفة من العلم ومن مواقف فلسفية مختلفة في الأصل. ولكن على مر السنين ظهر تماثل متزايد؛ وجاء هذا أيضا نتيجة لموقف علمي على وجه التحديد:”ما يمكن قوله على الإطلاق، يمكن قوله بوضوح” (فتجنشتين). وإذا كانت هناك اختلافات في الرأي، فمن الممكن الاتفاق في النهاية، ومن ثم كان الاتفاق مطلوبًا. وأصبح واضحًا أكثر فأكثر أن الموقف ليس التحرر من الميتافيزيقا فقط، وإنما كانت معارضة الميتافيزيقا هي الهدف المشترك للجميع”. (“The Scientific Conception of the World: The Vienna Circle,” 1973: 304)

 

المهمة الأساسية للفلسفة وفقا للوضعية المنطقية أو التجريبية المنطقية هي تحليل المفاهيم والنظريات والمناهج في الفروع المنوعة من البحث العلمي، من المنطق والرياضيات، مرورا بالفيزياء والكيمياء والأحياء، إلى علم النفس والعلوم الاجتماعية والتأريخ. ومع ذلك فإن معظم الدراسات التحليلية التي قام بها التجريبيون المنطقيون اهتمت إما بالمنطق والرياضيات أو بالعلوم الفيزيائية، أما الأحياء وعلم النفس والفروع الاجتماعية والتاريخية فقد حظيت بعناية أقل شمولاً وتفصيلاً. ويعود هذا الاختلاف بلا شك بدرجة كبيرة إلى خلفية هؤلاء واهتماماتم التخصصية. ولم تكن الغالبية العظمى منهم من الفلاسفة الخالصين بحكم التكوين، وإنما خصصوا جزءًا كبيرًا من دراساتهم الأكاديمية، بما في ذلك أعمال الدكتوراة، للمنطق والرياضيات، أو للفيزياء، أو للربط بين هذه الموضوعات. وهذا صحيح بالنسبة إلى رودلف كارناب، وهربرت فايجل، وفيليب فرانك، وهانز هان، وريتشارد فون ميزس، وهانز ريشنباخ، وموريتس شليك، وفريدرش فايزمان، وآخرين. ولا عجب إذن أن يخصص هؤلاء الرجال قدرًا كبيرًا من جهدهم الفلسفي لتطوير المنطق- جزئيًا بوصفه فرعًا نظريًّا، وجزئيًا بوصفه أداة لتحليل فلسفي دقيق- ولفلسفة المنطق والرياضيات، ولمنهجية وفلسفة العلوم الفيزيائية. والوحيد من بين هؤلاء التجريبين المنطقيين المؤثرين صاحب المعرفة التخصصية في العلوم الاجتماعية هو أوتو نيورات. كان عالمًا للاجتماع والاقتصاد بحكم التكوين العلمي وكرّس كثيرًا من كتاباته لموضوع العلوم الاجتماعية ونظرياتها وتاريخها. (Carl G. Hempel, 2001:253)

وهذا الاختلاف في التكوين العلمي بين نيورات وبقية أعضاء جماعة فيينا دفعه إلى الاختلاف مع أصحابه حول عده نقاط، من بينها الاختلاف حول طبيعة الجمل الأساسية أو جمل البروتوكول، والاختلاف حول النزعة الفيزيائية ورد لغات العلم إلى الفيزياء، والاختلاف حول تركيز الجماعة على المعالجة الصورية والمنطقية للعلم وغضّ الطرف عن الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية للعلم التي حفل بها نيورات. وكذلك الاختلاف في فهم العلم الموحد. واختلافه معهم أيضًا حول نزعة الأسس في التسويغ الإبستمولوجي التي يقبلونها ويرفضها مفضلاً عليها نظرية الاتساق.

وهناك على الأقل خمسة مزاعم حول العلم يبدو أنها تميز التجريبيين العلميين:

  • العلم موحد.
  • العلم ليس له حدود.
  • العلم ناجح جدًا في التنبؤ والتفسير والتحكم.
  • تضفي مناهج العلم موضوعية على النتائج العلمية.
  • العلم مفيد للكائنات البشرية. (Tom Sorell, 1994: 4)

على أن النزعة العلمية التي قدمتها التجريبية المنطقية تعرضت للنقد من زوايا مختلفة. رأى بونجي، أن تأثيرها اقتصر على الفيزيائيين النظريين الذين فهموا الملاحظين خطأ على أنهم إطارات الإشارة، ومن ثم فهموا النسبي بوصفه الذاتي، والموجود بوصفه القابل للملاحظة. وأخفق مشروعهم الطموح لأنهم فضلوا مذهب الظواهر على الواقعية وزعموا أنهم تغلبوا على فجوة المادية/المثالية. ويتمسك أصحاب مذهب الظواهر بأن كل شيء يبدو ولكن لا شيء يوجد. وعلى العكس، يعتقد الواقعيون العلميون في وجود بعض الأشياء، وأن المظاهر لا تظهر إلا مع كائنات حساسة، وأن التناول العلمي وحده يستطيع أن يكشف عن موجودات تحت المظاهر. (Mario Bunge, 2018:13)

2- 2  الإبستمولوجيا الطبيعية

تنكر النزعة العلمية الجديدة على الفلاسفة تأملاتهم الميتافيزيقية التي تتجاهل العلم الطبيعي، والتي تفترض وجود أشياء لا يلتزم بها العلم. وتنظر هذه النزعة إلى الفلسفة بوصفها جزءًا من العلم، وتأخذ صورة المذهب الطبيعي. ورغم وجود صور كثيرة من المذهب الطبيعي بقدر ما يوجد طبيعيون، يبدو أن هناك اتفاقًا واسعًا على أن الفلسفة ينبغي أن تكون متواصلة مع العلم. وأبرز صورة لهذه النزعة العلمية الجديدة هي الإبستمولوجيا الطبيعية التي اقترحها كواين. وعندما سأل ماجي: ما المهمة الأساسية للفلسفة؟ كان جواب كواين: تهتم الفلسفة بمعرفتنا بالعالم، وبطبيعة هذا العالم. إنها محاولة (لم شمل العالم) على حد تعبير نيوتن. لقد حسب بعض الفلاسفة أن الفلسفة منفصلة عن العلم، وتقدم أساسا متينًا لبناء العلم. ولكن هذا الرأي أجوف. وكثير من العلم أكثر صلابة من الفلسفة ومما تطمح إليه. والرأي عندي أن الفلسفة متصلة بالعلم بل جزء منه.

لا يمكن أن يوجد تمييز صارم بين العلم والفلسفة لأنه : (أ) لا توجد وجهات نظر متعالية على العلم. (ب) لا يمكن وضع تمييز صارم بين مسائل الواقع ومسائل اللغة.

(Sander Verhaegh, 2018: 141)

ولكن ما الذي يعنيه كواين على وجه الدقة بتطبيع الإبستمولوجيا؟

إن وجهة نظري هي وجهة نظر طبيعية. وأنا أنظر إلى الفلسفة ليس بوصفها دراسة تمهيدية أو أساس أولي a priori للعلم، وإنما بوصفها متصلة بالعلم. وأنا أنظر إلى الفلسفة والعلم على أنهما في المركب نفسه، المركب الذي يرجع إلى تشبيه نيورات ولطالما أرجعه هكذا. نستطيع أن نجدد بنيانه في البحر فقط بينما نظل عائمين فيه. ولا توجد نقطة امتياز خارجية، ولا توجد فلسفة أولى” .  (W.V. Quine, 1969: 126-127)

وتستطيع أن تقرأ في مثل هذا النص الدعاوى التالية:

  • رفض الفلسفة الأولى في صورتها العقلية والتجريبية.
  • تبني النزعة العلمية.
  • التمسك بنزعة إمكان الخطأ، وهي تلزم عن رفض الفلسفة الأولى وقبول النزعة العلمية. وتعود نزعة إمكان الخطأ إلى بيرس، وتقول إنه ليس من الضروري أن تكون الاعتقادات يقينية أو مؤسسة على اليقين. وتشغل هذه النزعة موقعًا وسطًا بين النزعة الدوجماطيقية والنزعة الشكّيّة.
  • الدفاع عن النزعة التدريجية القائلة إن الفلسفة متصلة بالعلم، ولا تختلف عن العلوم الطبيعية إلا في درجة العمومية والتجريد.
  • لا تزال الإبستمولوجيا بحثًا مشروعًا، على خلاف الظن بأن مشروع كواين ربما يؤدي إلى موت الإبستمولوجيا، وإن كانت في صورة جديدة تختلف عن الصورة التقليدية في الممارسة والأهداف.

على أن إخفاق الإبستمولوجيا التقليدية في هدفها، وهو التسويغ justification الذي اتخذ صورة البحث عن اليقين a quest for certainty لم يدفع كواين إلى التخلي عن الإبستمولوجيا برمتها، وإنما دفعه إلى البحث عن إبستمولوجيا جديدة يكون هدفها الأساسي هو التفسير العلمي scientific explanation الذي يتمثل في السؤال:” كيف نكتسب نظرياتنا الشاملة عن العالم، ولماذا تعمل بصورة جيدة هكذا؟” وهذا التفسير العلمي يتجسد في  تقرير واقعي factual account عن العلاقة بين الملاحظة والنظرية، أو إن شئت أن تستخدم عبارة كواين فقل: بين المدخل الضئيل والمخرج الغزير.

يبدأ الإبستمولوجي الطبيعي تقريره الواقعي عن العلاقة بين المدخل الضئيل والمخرج الغزير بالاهتمام بالأشياء الخارجية نفسها والاثارات التي تحدثها للشخص المدرك لها. ويمكن أن نصور خطوات هذا التقرير تصويرًا مقاربًا على النحو التالي: (W.V. Quine, 1995: 349)

في الخطوة الأولى نجد أن قذف المستنبهات الخارجية أو الأعضاء الحسية يسبب المدخل العصبي، ويستخدم كواين هذا المصطلح أحيانًا بدلاً من المثير. وفي الخطوة التالية نربط المدخل العصبي باللغة، ومن خلال محاكاة الناس أو عن طريق التعليم يتوصل الطفل في الوقت المناسب إلى نطق جملة ابتدائية أو الموافقة عليها عند نهاية الخطوة الثانية. والجمل التي يتعلمها الإنسان في هذه الحالة يسميها كواين باسم جمل الملاحظة من قبيل “إنها تمطر” و”هذا لبن” و”هذا كلب”. ثم تأتي الخطوة الثالثة والتي يكون الانتقال فيها من العالم الخارجي إلى النظرية عن طريق الجمل الدائمة التي تأخذ “كلما حدث كذا، حدث كيت”، مثل “كلما أمطرت السماء، ابتلّت الأرض” والتي تتألف من جملتين من جمل الملاحظة. ثم يكتمل بناء النظرية العلمية بعد ذلك بمساعدة الأفكار المنطقية والرياضية.

إن الباحث الإبستمولوجي العلمي بهذه الطريقة يشعر بحرية في استخدام نظريات ومناهج علم النفس وعلم الوراثة والدراسات الجارية في علم الأعصاب التي تناقش الطرق التي يعالج بها المخ المعلومات، وحتى ما قبل التاريخ “فجمل الملاحظة لها مقدماتها في أصوات الطيور وفي نداءات القردة”. (W.V. Quine, 1995: 254)

ويستخدم أيضا نتائج العلم الإدراكي مثل نتائج البحوث التي تكشف عن النماذج المتكررة من الأخطاء في طرائق تفكيرنا.

وهناك نقطة أرى من الضروري الإشارة إليها هنا، وهي أنه برغم أن كواين استبعد الطريقة التجريبية التقليدية التي ورثها عن أسلافه في معالجة الإبستمولوجيا، فقد استبقى من التجريبية جانبين أساسيين. “أحدهما هو أنه مهما يكن الدليل الذي هو دليل للعلم فإنه هو الدليل الحسي. والآخر، هو أن الشيء المتضمن في معاني الكلمات لابد من أن يرتكز في نهاية الأمر على الدليل الحسي”. (W.V. Quine, 1969:75)

وأكد كواين على هذه النقطة أيضا في كتاباته المتأخرة مثل كتاب ملاحقة الصدق 1990 عندما قال: “إن القاعدة البارزة إلى حدّ بعيد للإبستمولوجيا المتطبعة تتفق بالفعل مع قاعدة الإبستمولوجيا التقليدية. إنها ببساطة شعار الفلسفة التجريبية: لا يوجد شيء في العقل إلا وقد مر بالحس أولا” ninil in mente quod non prius in sensu  . (W.V. Quine, 1990: 19)

على أن الاختلاف الجوهري بين الإبستمولوجيا التقليدية والإبستمولوجيا الطبيعية هو رفض الحلم الديكارتي بأساس لليقين العلمي أقوى من العلم نفسه، وبالتالي رفض الأسبقية المنطقية للإبستمولوجيا على العلم. يقول كواين في آخر كتبه وهو من المثير إلى العلم 1998: “على خلاف الإبستمولوجيين السابقين، نحن لا نبحث عن أساس للعلم أقوى وأرسخ من العلم نفسه. وبالتالي فإننا نكون أحرارًا في استعمال النتائج الحقيقية للعلم في بحث أصوله”. (W.V. Quine, 1998: 16)

وقدم ماريو بونجي مشروعًا للفلسفة العلمية امتدت الكتابة فيه منذ عام 1974 حتى عام 1989، وهو رسالة في الفلسفة الأساسية (8 مجلدات) (Mairo Bunge, 1974–1989)

واحتفظ هذا البرنامج بالعقلانية والاهتمام بالتعزيز، ولكنه وضع الواقعية المادية محل مذهب الظواهر المتمركز حول الذات. وما زال بوجي يذود عن النزعة العلمية والموقف العلمي إلى الآن، وكان آخر كتاب أصدره من وجهة نظر علمية 2018.

والرأي عند بونجي أن وجهة النظر العلمية هي الأفضل لأنها الأكثر طلبًا والأكثر انفتاحًا من كل شيء، وتجتنب الارتجال، وتتطلب الحجة والتعزيز، وتشجع اقتحام كل مجال معرفي يبشر بالفائدة والنفع، وتحث على النقد البناء. وتفضل وجهة النظر العلمية تقريب العلم والتكنولوجيا من الفلسفة، وتضع المشكلات وحلولها في سياقها الأوسع، سياق الافتراضات العامة والعميقة جدًا حول العالم ومعرفتنا به، وتحاول جعل الفلسفة أكثر دقة. على سبيل المثال، اكتشاف الموجات الجاذبية في عام 2016 يقترح استبدال فكرة أينشتين القائلة إن المكان كائن فيزيائي بالفلسفات الذاتية عن المكان. والارتفاع العالمي في عدم المساواة في الدخل، بالإضافة إلى التخفيضات على الخدمات العامة، يؤيد نتائج علم الأوبئة التي مؤدّاها أن رفاهية الإنسان والصحة بنوع خاص تعتمد اعتمادًا حاسمًا على الأمن الاقتصادي. ويكفي الحسّ المشترك لفهم أن القول الروماني القديم إذا أردت السلم، فاستعد للحرب، هو مجرد حماقة. وفي المقابل الزعم بأن الثلاثي السياسي الحرية والمساواة والأخوة يكون ضعيفًا ما لم يرتكز على ثلاثي الوظيفة والصحة والتعليم، هو نتيجة قوية للتناول العلمي للمسائل الأخلاقية. وباختصار، العلم أو الاخفاق التام . (Mario Bunge, 2018: vii)

وأراني أميل إلى تأييد صورة معتدلة من النزعة العلمية. وقد عبرت عن هذا في بعض كتاباتي مثل نظرية المعرفة المعاصرة 2005 عندما دافعت عن “المذهب الطبيعي الإبستمولوجي المعتدل”، وفي اللغة والعقل والمجتمع في الفلسفة المعاصرة 2018. وتراني أرفض النزعة العلمية القوية وأؤيد المعتدلة؛ لأنني أعتقد أن العلم مصدرٌ مفيد للمعرفة أو الاعتقاد الصادق المسوغ، ولكنه ليس المصدر الوحيد لمعرفتنا حول أنفسنا وحول عالمنا، فهناك مصدر آخر مهم هو الدين. النزعة العلمية المعتدلة هي الرأي القائل إن العلوم التجريبية يمكن أن تساعد في الإجابة عن الأسئلة المطروحة في التخصصات غير العلمية. وإذا نظرت إلى الفلسفة مثلاً، تجد العلم يقدّم إسهامات جيدة في وضع صياغة أفضل وأكثر تقدمًا وعقلانية في فهم المشكلات الفلسفية في عدة مجالات مثل نظرية المعرفة، ونظرية الفعل، والأخلاق، وفلسفة اللغة، وفلسفة العقل. ولا يمكن دراسة طبيعة العقل، والمعرفة، واللغة، والواقع، من دون أن تتضمن نظرياتنا الفلسفية عن هذه الموضوعات نتائج الفيزياء، وعلم اللغة، وعلم النفس. وأي نظرية ميتافيزيقية حول الزمان لا بد من أن تجسد النسبية الخاصة. وأي نظرية فلسفية حول تعلم اللغة والمعنى لا بد من أن تفيد من علم اللغة والعلوم المعرفية. وأي نظرية عن الوعي لا بد من أن تنسجم مع أحدث نظرياتنا العصبية وأفضلها. النزعة العلمية إذن دفعت الفلاسفة إلى إعادة النظر في المشكلات الفلسفية التقليدية وصياغة مشكلات جديدة تثيرها تطورات العلم وتحثّ عليها ظروف الحياة الجديدة الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية. وإذا الفلاسفة يستعرضون المشكلات الميتافيزيقية بالنقد والتحليل، وإذا هم يميّزون بين المشكلات الزائفة والحقيقية ثم يعالجون الأخيرة في ضوء نتائج العلم ومناهجه. وإذا هم بعد هذا كله يطرحون على العلم أسئلة يدخلها في اعتباره مثل: كيف يمكن البحث في الوعي غير المادي بطريقة منهجية تنسجم مع الرؤية العلمية للكون؟.

 

 


 

المراجع:

Boudry, Maarten and Massimo Pigliucci. 2017. (eds.), Science Unlimited? The Challenges of Scientism, Chicago and London: The University of Chicago Press.

Bunge, Mario. 1974–1989. Treatise on Basic Philosophy, 8 Vols. Dordrecht: Kluwer.

Bunge, Mario. 1983. “Toward a Philosophy of Technology,” in Carl Mitcham; Robert Mackey (eds.), Philosophy and Technology : Readings in the Philosophical Problems of Technology, New York: The Free Press, pp. 62-76.

Bunge, Mario. 2009.  Political Philosophy: Fact, Fiction, and Vision. New Brunswick, NJ: Transaction Publishers.

Bunge, Mario. 2014. “Philosophical Inputs and Outputs of Technology,” in Robert C. Scharff and Val Dusek (eds.), Philosophy of Technology, The Technological Condition: An Anthology, Second Edition, Malden, Oxford: Wiley Blackwell, pp.191-200.

Bunge, Mario. 2017. Doing Science : In the Light of Philosophy, Singapore: World Scientific Publishing Company.

Bunge, Mairo. 2018. From a Scientific Point of View: Reasoning and Evidence Beat Improvisation across Fields, Cambridge: Cambridge Scholars Publishing.

Carnap, Rudolf. (1963). “Autobiography,” in Paul Arthur Schilpp (ed.), The Philosophy of Rudolf Carnap, La Salle, Illinois: Open Court.

Carnap, Rudolf. 2005. The logical Structure of the World: and Pseudoproblems in Philosophy, translated by Rolf A. George, Chicago and La Salle, Illinois: Open Court.

de Regt, Kenk W.,  Sabina Leonelli, and Kai Eigner. 2013.  (eds.), Scientific Understanding: Philosophical Perspectives, Pittsburgh Press.

de Regt, Henk W. 2017. Understanding Scientific Understanding, Oxford: Oxford University Press.

de Ridder, Jeroen, Rik Peels, and Rene van Woudenberg. 2019.  (eds.),  Scientism: Prospects and Problems, Oxford: Oxford University  Press.

Hempel, Carl G. 2001. The Philosophy of  Carl G. Hempel: Studies in Science, Explanation, and Rationality, edited by James H. Fetezer, Oxford, New York: Oxford University Press.

Kosso, Peter. 1997. Reading the Book of Nature: An Introduction to the Philosophy of Science, Cambridge: Cambridge University Press.

Lipton, Perer. 2004.  Inference to the Best Explanation, 2nd ed, New York: Routledge.

McCain, Kevin and Kostas Kampourakis. 2019. (eds.), What is Scientific Knowledge? An Introduction to Contemporary Epistemology of Science, 1st edition, Routledge.

Neurath, Otto. 1973. Empiricism and Soclology, edited by Marie Neurath and Robert  S. Cohen, Dordrecht, Holland/ Boston, U.S.A.: D. Reidel Publishing Company.

Pombo, Olga, John Symons, and Juan Manuel Torres. 2011. “Neurath and the Unity of Science: An Introduction,” in John Symons, Olga Pombo and Juan Manuel Torres (eds.), Otto Neurath and the Unity of Science, London New York: Springer.

Popper, K. R. 1972. Objective Knowledge: An Evolutionary Approach, Oxford: Oxford University Press.

Quine, W.V. and J.S. Ullian. 1978. The Web of Belief, New York: Random House.

Quine, W.V. 1969. Ontological Relativity and Other Essays, New York and London: Columbia University Press.

Quine, W.V. 1995. “Reactions”, in Leonardi, Paolo and Santambrogio, Marco (eds.), On Quine: New Essays, Cambridge University Press, p. 349.

Quine, W.V. 1990. Pursuit of Truth, Cambridge, Massachusetts: Harvard University Press.

Quine, W.V. 1998. From Stimulus to Science, Cambridge Massachusetts, Harvard University Press.

Romero, Gustavo E. 2018.  Scientific Philosophy, Switzerland: Springer.

Russell, B. 1959. Mysticism and Logic and Other Essays. London: George     Allen & Unwin Ltd.

Sorell,  Tom. 1994. Scientism: Philosophy and the Infatuation with Science, London and New York.

Stenmark, Mikael. 2016. Scientism: Science, Ethics and Religion, London and New York: Routledge.

Russell, Bertrand. 1946. History of Western Philosophy, and its Connection with Political and Social Circumstances from the Earliest Times to the Present Day, London: Allen and Unwin.

Trigg, Roger. 1993. Rationality and Science: Can Science Explain Everything?, Oxford: Blackwell.

Verhaegh, Sander. 2018. Working from Within : The Nature and Development of Quine’s Naturalism, New York : Oxford University Press.

Williams, Richard N. and Daniel N. Robinson. 2015. (eds.), Scientism: The New Orthodoxy, London and New York: Bloomsbury.

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق