مقالات

إبستمولوجيا الفيزياء بين الفضاء المطلق والفضاء النسبي – أمل عبدالعزيز

يحول بين العقل وبين فهم الفيزياء خللٌ كبيرٌ يكمن في تجريدها تماماً من الإبستمولوجيا، والقصد هنا ، الإبستمولوجيا المعرفية الشمولية التي تنظر إلى الظاهرة الطبيعية لا كما هي مفصولة عن التسلسل التاريخي، أو مبتورة العلاقات المعرفية. فهذه المعرفة لم تعد بذخاً في مختبر العقل العلمي، بل إنّ ما أنتجه هذا المختبر بأدواته خلال قرن من الزمان هو ثورتان [1] معرفيتان:

الثورة الأولى هي النظرية النسبية متمثلة في فكرة الإسقاط بالخدعة الافتراضية في الأثير[2]، أما الثورة الثانية فهي ميكانيكا الكم متمثلة في فكرة الانفصال الطيفي لموجات الضوء. إنّ هاتين المعرفتين كان لهما أكبر الأثر في إدراك قصور العقل البشري وجموده في فضاء محدود النسق الفكري، ليدخل البشر بفضلهما عصراً جديداً وهو عصر الفضاء والتكنولوجيا. ونحن ُ اليوم إذ ندق بوابة الثورة الأحدث “ثورة الذكاء الاصطناعي” نتساءل:

“ما هو العلم؟ وأين حدوده ؟!”

وهو ذات السؤال الذي يُطرح عند كل نقطة تحوّل زمنية تشكل مخاوف فلسفية، اجتماعية، اقتصادية وسياسيّة من اتجاه العلم في المستقبل.

إن العلم نشاطٌ إبداعي لا يختلف عن بقية الأنشطة التي يمارسها البشر، وهذا النشاط ما هو إلا ترجمة الفضول لتفسير الطبيعة. فالملاحظة -وهي أهم جوانب العلم- تعتبر ينبوع التساؤلات التي تنبثق في جميع العقول، حتى لدى الأطفال متمثلة في: كيف؟ لماذا؟، وهذه التساؤلات هي البوابة الكبيرة لوضع الفرضيات التي تحتمل الخطأ والنقص مثلما تحتمل الصحة. فالفرضية سليمة التركيب ترتقي لنظرية، لكن النظرية وحدها لا تكفي لبلوغ المعرفة العلمية. ولأن أدواتنا البشرية محدودة تخضع النظريات لمنهجٍ إحصائي تحليلي متمثل في المنطق الرياضي، أو تجريبي متمثل في المختبر العلمي. أما من منظور فلسفة العلم يصعب شرح ماهيّة العلم بفصله عن نظرية المعرفة، فالعلم كمعرفة يختلف عن العالِم كمتعرِّف لأن العالِم يتحسس طريقه للمعرفة على اعتبار أن جميع الافتراضات ممكنة وليست جميع الافتراضات محدودة. لذلك سؤال ” أين حدود العلم؟ “هو سؤال ينبغي ألا ينفصل عن الواقع الزمني. فعلى سبيل المثال: في نهاية القرن التاسع عشر اُعتقد أن العلم من وجهة النظر المعرفية في الفيزياء مكتمل الأركان فكانت معادلات نيوتن ومعادلات ماكسويل تفسر الطبيعة، حتى أن الفيزيائي الشهير ماكس بلانك (مؤسس نظرية الكم) حينما طلب رأي مستشاره بأن يصبح عالم فيزياء أجابه بأن يبحث عن مجال آخر لأن الفيزياء قد انتهى البحث فيها تقريباً. لكن العلماء يعلمون أن هناك مجموعة من الأسئلة المزعجة العالقة، أسماها الفيزيائي الكبير اللورد كيلفن “سحابات” غير ذات أهمية كبرى تلوح في الأفق [3]. هذه السحابات نعلم الآن أنها أسس الفيزياء الحديثة لتمطر: الفيزياء النظرية، فيزياء الكونيات، علم الفلك، فيزياء الطاقة، الفيزياء الذريّة، الفيزياء النووية وميكانيكا الكم. وبعد قرن من الزمان نحنُ نعرف أين وصل العلم من خلال أدواته التي نستخدمها لكن بالتأكيد هذه ليست حدوده ولن تكون طالما معرفتنا تُشكل الجزء من الكل. لذلك سأخص في هذا المقال أحد الأمثلة “إبستمولوجيا الفيزياء بين الفضاء المطلق والفضاء النسبي” في محاولة متواضعة لفهم فلسفة العلم.

إنّ الفيزياء منفصلة عن التفكير في ذاتها، فالظاهرة الطبيعية لا تقع في فخ البارا دايم [4] الفلسفي التاريخي حتى وإن حال هذا الأنموذج إلى تعطيل الزمن عن حدوث قفــزة ثورية في الفكر العلمي. إبستمولوجيا الفيزياء باعتقادي هي الفكرة والخيال ويوحدهما الرابطة أو ما يعرف علميّاً بالعلاقة في إطار النسق العلمي.

الظاهرة الفيزيائية هي الظاهرة الطبيعية، وإذا ما عرف الفلاسفة الإغريق الطبيعة من خلال وصف الحواس لها، فالعقل آنذاك احتاج إلى منبهات تشكل فيه الحواس الرابط بين العالم الخارجي والوعي الفكري. لذلك كان غياب الحواس هو غياب الظاهرة والعكس[5]، فعندما جادل أرسطو أن الجسم الذي يتوقف بعد دفعه بقوةٍ ما إنما غاية في ذات الجسم للراحة. أي أن غياب الحركة (السكون) عند أرسطو ما هو إلا وجه للراحة، فتفسير الدافع اللامحسوس (القوة التي أوقفت الجسم) لم يكن ممكناً في إطار الفلسفة الإحيائية[6] التي تعتقد بوجود روح في الجسم المدفوع، على اعتبار أن روح الجسم الجامد اُنهكت من الحركة لذلك توقفت.

لعل أرسطو كان قريباً لو أنه أخرج النسق المعرفي من تشويه الفكرة في رحم الميتافيزيقيا إلى فضاء الخيال المنطقي أو العقلانية التي أسس لها رينيه ديكارت وأرسى جذورها فرنسيس بيكُـون بالتشكيك في الرابط الكامن بين الحواس والعقل عن طريق التحليل المنطقي. هذه المعرفة الجديدة التي اختبر جاليليو في ظلها تقنية الخيال، مُدخلاً المنهج التجريبي عبر دراسة الجسم ساقطاً من ارتفاعٍ ما، هذا الجسم سيستمر في السقوط حراً، والحرية هنا دلالة على عدم خضوع الجسم لأي مؤثر خارجي سواء كان هذا المؤثر محسوساً أو مبهماً متمثلاً في مقاومة الهواء لهذه الحركة، وهي ما تعرف فيزيائياً بقوة الاحتكاك.

لكن في ظل هذا النسق التجريبي لم تكتمل فهم الظاهرة؛ لأن العلاقة غامضة بين الجسم والقوة المؤثرة عليه. وهذا ما تمكن من استيعابه العالم اسحاق نيوتن حينما خلق الرابطة (سقوط الجسم الحر المدفوع تحت تأثير كتلته يخضع لقوة الجاذبية الأرضية بتسارع ذا قيمة معينة)؛ بل إن حركة الأجسام الساقطة ليست وحدها معنية بهذا القانون. إن جميع الأجسام الساكنة والمتحركة تظل متوازنة في سكونها أو حركتها تباعاً مالم تؤثر عليها قوة خارجية وهذه الأجسام تميل لحالة الاتزان بما يعرف بظاهرة القصور الذاتي. وهذا التفسير صاغه نيوتن في قوانين جبرية مرتبة تدرس حركة الأجسام؛ لتمثل هذه المعادلات مع قانون الجاذبية أحد أعظم التحف العلمية التي عرفتها البشرية.

إن التعاون الفكري في خلق البارا دايم الجديد لم يسجّل تفسيراً وحيداً لظاهرة معينة بل انبثق منه نسيج متماسك عُرف بالفضاء المطلق، فعن طريق دراسة حركة الأجسام عند لحظة معينة أستطيع التنبؤ بمكانها وسرعتها بعد زمنٍ في المستقبل. فالكون ما هو إلا آلة ميكانيكية غاية في الدقة والكمال في منطق التنويريين المؤمنين بالحتمية [7]. وهذا الفضاء الكوني يرزخ تحت تقديس الثوابت، وما المتغيّر إلا العلاقات التي تربط بين هذه الظواهر ضمن سلسلة من الأحداث المترتبة في اتجاه زمني ذا بعد أحادي من الماضي إلى المستقبل.

 

Soft Watch At Moment of First Explosion, Salvador Dali.

 

لكن ماذا لو أن المشكلة في ذاتية الظاهرة “ما هو الماضي؟ ” “ما هو الحاضر؟” “ما هو المستقبل؟”.. “ما معنى الزمن؟”

إنّ العائق الذي يمنع الرابطة من أن تشكّل تفسيراً دقيقاً للظاهرة الطبيعية إنما هو انعكاس لجمود النسق العلمي، فالرابطة لم تخدم بارا دايم الأثير في تفسير التناقض بين نظرية نيوتن الميكانيكية ونظرية ماكسويل للموجات الكهرومغناطيسية في غياب الوسط المادي لانتقال هذه الموجات في الفضاء.

المعضلة هنا لم تفتقر لإعادة أمزجة الروابط في تحليل الظاهرة؛ بل وجودها ما هو إلا غياب لبزوغ فكرة في آليّة علمية جديدة تختبرها. ولقد انبثقت هذه الفكرة في أعظم عقول الفيزيائيين ألبرت آينشتاين حيث أنه ببساطة لا وجود للأثير؛ بل لا حاجة للموجات الكهرومغناطيسية لوسط لانتقالها؛ لأنها بذاتها نسيج جديد للعلاقات. فالسرعة في ميكانيكا نيوتن هي متغيرة حسب المسافة والزمن في فضاءٍ مطلق محكوم الإغلاق بقوانين الحتمية. لكن في هذا الفضاء المختلف الذي مرجعه ثبوت سرعة الضوء ما المسافة والزمن إلا متغيرات. وهنا تحضر تقنية الخيال في ذات العقل الاينشتاني وأعتقد أن هذه العبقرية مرجعها الفهم الدقيق لإطار إبستمولوجيا الفيزياء بين الفكرة والخيال والرابطة (كيف يكون الزمن متغيراً في فضاء المطلق الحتمي؟) وهذا ببساطة لأن الفضاء ليس مرجعاً مطلقاً؛ إنما هو فضاءٌ نسبيٌ حسب الأطر المرجعية [8] للراصد.

 

 


[1] Kuhn, Thomas S: The Structure of Scientific Revolution, 1962

يعود الفضل في استخدام مفهوم الثورة العلمية لتوماس كُون

[2] Aether : الأثير (الإثر) وسط مادي اُعتقد بوجوده لينقل الموجات الكهرومغناطيسية

[3] Kaku,Michio: Einstein’s Cosmos, 2004.

[4] )Paradigm(

.البارا دايم في المقال دلالته اللغوية في إطار النسق العلمي كما استخدمه توماس كُون

[5]يُستثنى ديمقريطس بفكرة أن المادة مكونة من جسيمات أساسية دقيقة غير قابلة للانقسام التي لها معنى مهم في الفكر العلمي وهي أساس النظرية الذرية في الفيزياء ، وفيثاغورث بأفكاره في المنطق العددي.

[6] Animism : الاعتقاد بوجود روح في داخل الأجسام أو الظواهر الطبيعية

[7] Determinism : الحتمية مذهب فلسفي انبثق من العلوم التجريبية الحسية في القرن الثامن عشر وسيطر على التفكير العلمي في القرن التاسع عشر

[8] References Frames : الأطر المرجعية مفهوم ذا دلالة فيزيائية في النظرية النسبية الخاصة

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق