مراجعات

معاناة فان غوخ بكاميرا رسام، مراجعة لفيلم “عند بوابة الأبدية” – أ.د. بدر الدين مصطفى

 

فان غوخ: هذه الريح، هذه الريح تعزف في رأسي. تدوي، تدوي.. لست أدري، الشمس اليوم كانت حامية، لكني لم أحسها. والآن هذا القلق بداخلي. إنني أشعر بتوتر لا حدود له.

غوغان: الشمس! ما حاجتك لهذه الشمس الخارجية المحرقة؟ ما حاجتك للخروج كل يوم إلى الشمس؟ إنما الشمس في الداخل، والرسم يستدعيها من الذاكرة.. الشكل هو الكرة التي تحتفظ بها الذاكرة، وليس كل هذه الألوان التي تقيدك وتربطك بالعالم الخارجي. أنت تنظر بالعين فقط، وتغفل تلك المراكز الخفية، المراكز المليئة بالأسرار، هي بداخلك لكنك لا تنتبه لها.

فان غوخ: الفكر.. المنطق.. الهندسة.. لا أدري كيف أتعامل مع الطبيعة بهذه القسوة. إنها أمور تحتاج لحسابات معقدة وتناسب أكثر المحاسبين والصرافيين والرياضيين، إنها جافة تفتقد الشعور والروح.

يكشف هذا الحوار المتخيل عن فلسفتين مختلفتين في تاريخ فن الرسم: فان غوخ الذي يرى أن المشهد كامن فى قلب الطبيعة، ومهمته أن يحرره منها، فيعيد تمثليله بفرشاته. أما غوغان فيرى أن المشهد موجود داخل الفنان نفسه، وهو يعكسه على الخارج. وبعيدًا عن مساحات الاختلاف المتوقعة بين الفنانين، فكلاهما يتفقان فى الحقيقة على أن العبقرية كامنة في رؤية الفنان، وليست فى الموضوع أو المادة، فى العين البصيرة، لا فى العين الناقلة، فى الداخل والذاتى، وليست فى الخارج الموضوعى. هاتين الفلسفتين في الرسم تربطهما إذن غاية واحدة وتغلفهما تجربة عميقة شارفت على ملامسة حقيقة الأشياء وجوهرها، فأثمرت أعمالًا تصدع بها وتنطق، أو كما عبر عن ذلك من قبل رائد الانطباعية بول سيزان في مقولته الخالدة “سوف أفصح لكم عن الحقيقة رسمًا”[1].

وكأنه كان يرسم لوحاته لأناس لم يوجدوا بعد، فتتحول قصته ومعاناته إلى أسطورة تقترب من حدود القداسة لدي محبي فن الرسم حول العالم، ليصبح رمزًا للعظمة الفنّية وأحد أهم رموز الثقافة عند الأجيال الحالية التي تثمن لوحاته بعشرات الملايين، وهو الذي عاش بين فقر الحال والعوز فلم يبع طوال حياته سوي لوحه واحدة بعشرين دولارًا.  فينسنت فيليم فان غوخ؛ العلامة البارزة التي لا يستطيع أي مؤرخ للفن أن يتجاوزها وهو يرصد تاريخ فن الرسم الحديث. ورغم أنه، حتى وفاته (منتحرًا حسب أغلب الروايات)، ظلت الشكوك تطارده حول موهبته وعاش حياة مضطربة نفسيًا وفي عزلة عن الآخرين، إلا أن المكانة التي اتخذها في تاريخ هذا الفن قد ردت له جزء من الاعتبار الذي لم يعاصره في حياته، فاتخذ موقعًا في تاريخ التشكيل لا يضاهيه فيه إلا قلة قليلة من الرسامين.

في الواقع كان فان غوخ، على وجه التحديد وبصورة تفوق كل رفقائه الآخرين في تاريخ فن الرسم، محط انتباه صانعي الأفلام لعقود من الزمان. كان، حتى اللحظة، موضوعًا لتسعة أفلام روائية، ظهرت بلغات مختلفة. بداية من الفيلم الأمريكي رغبة في الحياةLust for Life  (1956)  الذي أدى دور البطولة فيه  كيرك دوغلاس وأنتوني كوين، وأخرجه فينسنت مينيللي، مرورًا بالفيلم الهولندي فنسنت وثيو Vincent & Theo (1990)  للمخرج روبرت التمان، والفيلم الفرنسي  فان غوخ Van Gogh (1991) للمخرج موريس بيالا، والبريطاني فنسنت المحب Loving Vincent  الذي ظهر في العام 2017 للمخرجين دوروتا کوبیلا وهیو ولتشمن.

غير أن العمل الذي قدمه المخرج والرسام جوليان شنابل عند بوابة الأبدية  At Eternity’s Gate (2018)، (قام أيضًا بكتابته، ورشح لجوائز كثيرة منها جائزة الأوسكار لأفضل ممثل)، جاء مختلفًا من حيث قيمته الفنية وتقنيات صناعته السينمائية، ما أدى إلى استقباله نقديًا بنوع كبير من الحفاوة. ربما يكون السبب الرئيس في تميز هذا العمل، كون شنابل نفسه رسامًا مخضرمًا، من ثم استطاع أن يقدم لنا تجربة فان غوخ من داخلها بفهم حقيقي وإحساس واقعي، استطاع شنابل أن يعيد رسم شخصية فان غوخ الفنية بفرشاة ألوانه، فكان المخاض لوحة سينمائية رائعة لا تقل في تميزها عن لوحاته التصويرية. سبب آخر يمكننا أن نرصده لتميز هذا العمل، يتمثل في الأداء الرائع الذي أداه الممثل الأمريكي وليم دافو  Willem Dafoe في دور فان غوخ (وهو الذي رشح لأجله لجائزة الأوسكار 2019 في فئة أفضل ممثل).

          سنجد في هذا العمل ملامح شخصية فان غوخ كما عرفناها من سيرته الذاتية، ومن الرسائل العديدة التي تبادلها مع أخيه ماثيو. ومن خلال صور مذهلة وتوازن عبقري في شاعرية الصورة ومضمون السرد، يجذبنا شنابل إلى داخل روح فان غوخ المعذبة عبر قصته التي يركز فيها على السنوات الأخيرة من حياته. السنوات التي عاش فيها فان غوخ في قرية آرليس، حيث عمل فيها محاسبًا برفقة شقيقه المحب ثيو (روبرت فريند).  وقد انضم إليه لفترة من الوقت بول غوغان ودارت بينهما حوارات عديدة حول ماهية فن الرسم، يلخصها الحوار الذي بدأنا به المقال. وبعد تردده على مصحات العلاج النفسي مرات ومرات، توفي عن عمر ناهز 37 عامًا في فرنسا وتحديدًا في أوفير سور أوايز Auvers-sur-Oise.

عند مطلع الفيلم، يعبر التعبير الصوتي بصوت دافو عن العزلة الحادة التي يعاني منها فان غوخ. على شاشة سوداء، يقول عن القرويين في آرليس: “أريد فقط أن أكون واحداً منهم. أود أن أجلس معهم وأتناول مشروبًا مثلهم”. يفتتح الفيلم صورته بعد ذلك ليكشف عن السماء والحقول المحيطة بالقرية، المنظر الثري من الألوان المتدرجة، كتلك التي تصادفنا في لوحات فان غوخ. يبدو دافو ذو الشعر المحمر واللحية والعيون الزرقاء الجاحظة والوجه المضطرب، أقرب ما يكون لصورة فان غوخ كما نعرفها، ولكن تألق الأداء الذي قام به يدفعنا إلى تجاوز حدود التشابه الشكلي، لنجد أنفسنا، كمشاهدين، مأثورين بالطريقة التي ينقل بها دافو بهدوء أفكار فينسنت وإحساسه المتزايد بفقدان الأمن، وكذلك لحظات الإلهام. وعندما يفصح غوغان عن رغبته في مغادرة أرليس، يُظهر فان غوخ حزنًا كبيرًا، نجح دافو في تجسيد تفاصيله عبر ملامحه التي جسدت معاني القلق والانزعاج بصورة بارعة. بعد مغادرة غوغان، يخبر فان غوخ الطبيب بأنه قام بقطع أذنه، بغية إرسالها إلى صديقه. هذه التفصيلة التي نالت شهرة واسعة وارتبطت باسم فان غوخ، لا نشاهدها على الشاشة بل يخبرنا فان غوخ بها في حديثه مع الطبيب فقط.

         نجح شنابل في الدخول إلى عالم فان غوخ الإنسان والرسام. في المشاهد الممتدة على طول الفيلم، يتجول الفنان داخل المناظر الطبيعية، يتفحص الضوء الذي يتدفق عبر الأشجار أو يتسلق تلًا صخريًا للحصول على رؤية أفضل. تغيير طفيف في النور يبدو كأنه حدث بالنسبة إليه، الأشياء تبدو في عينيه غير ما تبدو في الواقع، وكذا ألوانها. يأتي تعبير دافو ليخبرنا عما إذا كان فينسنت هنا يبحث عن المعنى في الأشياء أم يصارع ذاته بحثًا عنه أم يعيش مرحلة مخاض للوحة جديدة. يسجل تاتيانا ليزوفسكيا Tatiana Lisovskya موسيقى تصويرية مبهرة لتلك المشاهد. الإيقاع ليس بطيئًا على الإطلاق، بل كان رائعًا ينتقل من مشهد لمشهد دون تطويل أو اختصار لأي منها. كما نجح تصوير بنفيت دلهوم Benoît Delhomme في أن يعكس أعمال فينسنت المشهورة عالميًا، بما في ذلك الجدران الصفراء الشهيرة بغرفة نومه في أرليس، دون أن تبدو تلك الأعمال شبيهة بالصور الكاريكاتورية أو المعاد رسمها. نرى داخل الفيلم مجموعة من زهور دوار الشمس الميتة، وفي وقت لاحق، تظهر إحدى لوحات فان غوخ المشهورة بدوار الشمس (رسمها العام 1888 قبل وفاته بعامين) على إحدى جدارن غرفة نومه، دون أن يركز شنابل الكاميرا عليها فتبدو طبيعية للغاية. الكاميرا تتحرك كما لو أنها تحاكي عين فان غوخ في نظرته للطبيعة، وفي بعض الأحيان تتحرك بنوع من الاضطراب كما لو أنها تعكس اضطراب فان غوخ نفسه.

حجرة فان غوخ كما رسمها هو

 

استطاع شنابل بكاميرا الرسام أن يستوعب هذه الرؤية الصوفية لرحلة فان غوخ، استخدم الكاميرا الذاتية التى تعبر عنه وعنها، فإذا كانت اللقطة موضوعية، فإنها تحاكى أيضًا عين فان غوخ التى ترى الأشياء بصورة مختلفة، يختل المنظر التقليدى، وتختفي التكوينات الكلاسيكية، نرى المشهد كما رآه الفنان، وليس كما يبدو، حتى فى ظل المرض، تعبّر المرشحات عن ضباب لا يمكن أن يحجب المنظر، يشوهه ولكن لا يخفيه أبدًا. على شريط الصوت تنساب موسيقى مذهلة، بيانو وكمان، وشمس فان غوخ تكاد تخرج من الشاشة لتضىء قاعة العرض. ينتقل الفيلم في إحدى مشاهدة إلى مشهد يُظهر بعض المعلقين والرعاة الفنيين الذين يجلسون في إحدى مقاهي باريس، أحدهم يقرأ مراجعة ساخرة لبعض أعمال فان غوخ، تتحول الصورة بعد ذلك من هذا المشهد إلى مشهد يظهر فيه فينسنت مربوطًا بسترة مثبتة في زاوية فراش غرفته داخل المصحة النفسية التي كان يتردد عليها. وهو مشهد معبر للغاية عن حالة التجاهل التامة التي عانى منها في حياته.

ربما كان القصور الرئيس في الفيلم هو اعتماد الحوار فيه على بعض الرسائل التي تركها فان جوغ، والتي شكلت المادة الخام التي عمل عليها شنابل. المشكلة أن الالتزام بما ورد في تلك الرسائل، جعل حوار فينسنت، سواء مع غوغان أو طبيبه النفسي، يبدو تعليميًا في جانب كبير منه.

الحديث حول حقيقة وفاة فان غوخ إشكالية بدرجة كبيرة. يتبنى الفيلم طرحًا مغايرًا عن الطرح الشائع القائل بانتحاره، حيث يصورة مضرجًا في دمائه بعد إطلاق النار عليه من قبل بعض المراهقين، أحدهما يرتدي زي بافالو بيل. ومع تقدم الفيلم صوب نهايته، فإنه لا يقرر ما إذا كانت موهبته الفنية هي مصدر عبقريته أم إنها عرض من أعراض المرض أم كليهما معًا، ولكن الفيلم في مجمله ينحو نحو إظهاره بمظهر “العبقري المجنون”.

أحد عوامل عظمة هذا الفيلم وإبهاره يكمن في أنه يرى الفن كشفًا وتجربة داخلية، ويرى الألوان والأشكال تعبيرًا خارجيًا عن هذا الكشف. فى أحد أجمل مشاهد الفيلم يقول فان غوخ إنه سابق لزمنه وأنه لا يلوم أحد على تجاهله، وإنّ معاناته كما المعاناة الذي تعرض لها السيد المسيح، فالآلام عنده، كما يقول الناقد محمود عبد الشكور، تبدو ثمنًا بخسًا للأبدية، للقيمة، للنقش على جبين الزمن، لملامسة الخلود، ولتحرير الجمال المراوغ، ووضعه فى لوحة ملونة، الفنان فقط هو الذى يرى، الآخرون ينظرون فحسب.

 

 


[1]  كانت هذه العبارة موضعا لتحليل عميق قدمه الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا في كتابه الحقيقة في فن الرسم The Truth in Painting 1987.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق