مراجعات

متحف الحواس : تحسس الفن والمجموعات الفنية

يوكسين بينق - ترجمة: راضي النماصي

 

يجسّر كتاب كلاسين الغني بقصص الناس حول تجاربهم الحسّية في عالم الفن بين حقليّ دراسات الحواس (sensory studies) وتاريخ الفن عبر منظور جديد تمامًا. فالكتاب منظّم بتسلسل تاريخي تعاقبي في ستة فصول، يبدأ أولها بقصص حول اندماج أشخاص مع آثار مقدسة وملكية من التاريخ القديم. وفي هذا الفصل، يعد تقبيل جمجمة قديس طريقة يُمنح النفوذ فيها للأفراد، ولمس ميدالية مميزة تناولتها الطبقة الملكية أحد طرق العلاج الخارق للطبيعة. كما يكشف التقبيل بصفته لمسًا واللعق تذوقًا وطقوس وثنية أخرى عن عالم مسحور في القرون الوسطى. ويركز الفصل الثاني على رسوم عصر النهضة ومنحوتاته وعلى الأوهام الحسيّة التي دفعت مشاهدي الفن إلى لمس المواد المعروضة. أما الفصل الثالث فيناقش – باهتمام أكثر بالتاريخ على حساب الجماليات – بعض الحقائق التاريخية حول حالات هوس أوروبية بالمومياءات المصرية، بدايةً من أحاسيس عاطفية بالخوف والأسى إلى محاولات حسية لحلّ لفافها وشمّها وتذوقها، وحتى إعادة استخدامها وقودًا وسمادًا ورسمًا. ويركز الفصل الرابع والخامس على بداية عائلة من جامعي الفن في إنجلترا ونهايتها، وهم آل أروندل، إذ كان تجميع لوحاتهم وقطع الرخام والجواهر مصحوبًا بروائح رمزية لعطر العائلة، مما يظهر تأثيرًا قويًا لحاسة الشم. والفصل الأخير يدور حول العصر الحديث موضحًا تغير حال المتاحف من إمبراطوريات تمنع أي تواصل حسي -عدا النظر- إلى ملعب يسمح باستخدام عدة حواس. كما قد لوحظت تغيرات في هرمية الحواس من حيث أهميتها، وقد بيّنت الكاتبة ذلك عبر توضيح تشارك البصر لبعض أولوياته مع الحواس الأخرى.

تفك كلاسين العلاقة ما بين القطع الفنية ومشاهديها بأسلوب تاريخي يبتعد عن المفاهيم الأنثروبولوجية حول التجارب المرتبطة بالحواس، والتي تحاول الوصول إلى الإشكال بشكل عام من مفهومَي فينومينولوجيا الإدراك أو أنثروبولوجيا الرموز. فالحقائق التاريخية تُعامل على أنها محايدة في هذا الكتاب. حتى أن بعض الحالات قد ذكرت خارج سياق المتاحف مثلًا في حقل القطع الفنية (المومياءات في صحراء مصر إبان القرن التاسع عشر) أو في بيوت الفنانين وجامعي القطع لمصلحة خاصة (مجموعة أرونديل).

وهذا لا يعني القول إن الكتاب لا يشتبك بأي حال مع النقاشات المعاصرة حول التجربة الحسية في الأنثروبولوجيا. فالحقُّ أن كتاب كلاسين يزودنا بعدة مواد على هيئتها الخام لتوضيح مدى تعقيد المشكلة ودفع النقاش حولها إلى مدى أبعد. فمثلًا، يمكن إعادة التفكير في تقبيل الرموز الدينية بنيّة الشفاء في العصور الوسطى على يد أنثروبولوجيي الدين، كما ترى كلاسين هوس الغرب بحل لفاف المومياءات وإعادة استخدامها على أنه “اهتمام موازٍ باستكشاف الشرق وأهله واستعمارهم” في القرن التاسع عشر، ما يجعلها مشاركةً في بعض النقاشات الأنثروبولوجية حول الإرث الاستعماري. كما أن إيديولوجيات الجندر قد نالت اهتمامًا مثيرًا للإعجاب عبر مقارنتها بين بورتريهي إيرل وكونتيسة التابعتين لمجموعة أرونديل. ويمكن العثور على ردود الفعل الفردية تجاه الأعمال الفنية -كالتنفس والحركات العضلية- بوصف مفصل ومذهل في الكتاب، مما يمكن أن يُرى كحالات تدعم الاستكشافات الأنثروبولوجية للجسد والتجسيد.

والخلاصة أن كتاب كلاسين يجمع ما بين الحقائق التاريخية والمعاصرة حول التجربة الحسية في عالم الفن وينظمها، والتي قد يغدو العديد منها معتبرًا في النقاشات الأنثروبولوجية المعاصرة.

 

 


المصدر:

Journal of the Anthropological Society of Oxford

(New Series, Volume X, no. 1 (2018

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق