مقالات

الاهتمام بالمحتضر كأنه يعيش أبدا – د. حسني إبراهيم عبد العظيم

يقدم الكاتب تعريفًا بحركة الهوسبيس ودور الرعاية الملطِّفة متتبعًا تاريخها ومبادءها، وموضحًا كيف تقوم على مساعدة المحتضرين ليعيشوا أيامهم الأخيرة في راحة واطمئنان، لا كمنحة أو منّة، وإنما حقٌّ واجبٌ للإنسان ينبغي أن يحصل عليه بصورة كريمة ومشرفة.

مع التطور العلمي والطبي الكبير الذي شهده العالم خلال العقود الأخيرة ظهرت مشكلات ديموجرافية (سكانية) واجتماعية متعددة، من أبرزها ارتفاع معدلات الأمراض المزمنة، وزيادة نسبة المسنين والمعمرين بشكل كبير، ومعاناة هؤلاء المعمرين من العديد من الأمراض التي لا يُرجى شفاؤها، وترتب على ذلك زيادة الحاجة للرعاية الاجتماعية والصحية لهم.

ونتيجة لذلك ظهرت حركات اجتماعية Social Movements تهتم بالأشخاص المقبلين على الموت، وهم المرضى الميؤوس من شفائهم، بحيث يعيشون أيامهم الأخيرة بصورة كريمة، ويحاطون بمختلف أنواع الرعاية الطبية والإنسانية، ويطلق على هذه الحركات والمؤسسات مصطلح (الهوسبيس) Hospice فما المقصود بهذا المصطلح؟

الأصل اللغوي لكلمة Hospice هو ذات الأصل الذي اشتق منه لفظ المستشفى Hospital وهو الكلمة اليونانية القديمة xenodochiumالتي تعود للقرن الرابع الميلادي، وكانت تعني الضيافة Hospitality . أما أول من استخدم لفظ Hospice فكانت السيدة الرومانية (فابيولا) Fabiola التي فتحت بيتها للفقراء والمرضى والمسافرين، والجوعى، وكانت كلمة Hospice تشمل في ذلك الوقت الضيف والمضيف، وكلمة Hospitium مكان الضيافة. وانتشرت تلك الأماكن على نطاق واسع، ولكنها لم تكن مخصصة للمحتضرين، بل تستقبل الناس للإقامة فيها طالما أنهم في حاجة للمساعدة. (Milicevic2002:29-30)

وفي منتصف القرن التاسع عشر أسست جين جارنيه Jeanne Garnier في مدينة ليون الفرنسية أول مؤسسة لرعاية المحتضرين، مستخدمة الكلمة Hospice. وفي انجلترا كان أول استخدام للمصطلح على أيدي راهبات مؤسسة القديس يوسف الخيرية الأيرلنديين Irish Sisters of Charity at St. Joseph في لندن عام 1905. وارتبطت حركة رعاية المحتضرين الحديثة في انجلترا باسم السيدة سيسلي سوندورز Dame Cicely Saunders. ولدت السيدة سوندورز  في عام 1918 (توفيت في عام 2005)، وتلقت تدريبا للعمل كممرضة ثم إخصائية اجتماعية، وأتاح  عملها في المستشفيات أن تكون على وعي بالحاجات النفسية والروحية للمحتضرين المرتبطة غالبًا بالوحدة والعزلة، وأكملت سوندورز  تعليمها الطبي، وعملت كطبيبة، وانصبّ اهتمامها على المحتضرين من مرضى السرطان على وجه الخصوص، وكانت السيدة سوندورز  تستمع باهتمام وحرص لمرضاها وهم على شفا الموت، وتنصت لحكاياتهم مع المرض ومعاناتهم، وكانت تتعاطف معهم بشدة وتعمل على تخفيف آلامهم المبرحة،     (Milicevic2002:29-30)

وقد وردت عبارة مؤثرة على لسان السيدة سوندورز مخاطبــة المقبل على الموت، تعكس عمق إنسانيتها، إذ تقول للمحتضر: “أنت مهم لأنك أنت، أنت مهم حتى آخر لحظــة في حياتك، وسوف نبذل قصارى جهدنا ليس فقط لمساعدتك أن تموت في ســلام، ولكن لتحيا بســـلام حتى ترحل” . (American Cancer Society 2014:1)

ومن الجدير بالذكر في هذا الإطار أن الحضارة العربية الإسلامية كانت السباقة في المبدأ الذي تقوم عليه فكرة الهوسبيس، حيث أن الطبيب العربي  المعروف أبا بكر محمد بن يحيي بن زكريا الرازي (854 – 925 م) يعد من أوائل من اهتم بأمر المحتضرين بشكل علمي وأخلاقي، حيث أنه أول من فكر في علاج المرضى الميؤوس من شفائهم والاهتمام بهم ورعايتهم، فقد كان هذا الطبيب العظيم شخصًا كبير القلب، وطبيبًا إنسانيًا إلى أقصى الدرجات، وقد كان سبّاقًا في إنسانيته القصوى تلك، وتعدى الآفاق الأخلاقية التي وصل إليها الطب لدى الإغريق، وارتقت إليها رسالة الطبيب في قسم أبقراطHippocrates Oath  الشهير، الذي يدعو الطبيب أن يذهب إلى كل البيوت لفائدة مرضاها، دون الذهاب إلى مساعدة المرضى الذين لا أمل في شفائهم، ذلك أن أبقراط قد عرف الطب بأنه الفن الذي يُنقذ المرضى من آلامهم، ويخفف من وطأة النوبات العنيفة (ويبتعد عن الأشخاص الذين لا أمل في شفائهم، إذ أن الطب حسب رأي أبو قراط لا نفع له في هذا المجال) وهنا برز الرازي الذي كان أول من فكر في علاج المرضى الذين لا أمل في شفائهم واهتم بهم كل الاهتمام. (سيجريد هونكه253:1993)

وقد كان ذلك كما أسلفنا سبقًا إنسانيًا كبيرا للرازي، إذ رأى – خلافا لأبقراط – أن هذا العمل واجبًا ضروريًا، وطالب الطبيب بأن يوهم مريضه بالصحة ويرجيه بها، وإن لم يثق هو بذلك، فمزاج الجسم – حسب تعبيره – تابع لأخلاق النفس. وعلى الطبيب أن يسعى دائمًا إلى بث روح الأمل وقوة الحياة في نفس المريض مهما كانت حالته. لقد كــان الرازي وزملاؤه من الأطباء العرب المثال الحي والقدوة المثلى لأطباء الغرب فيما بعد لدى معالجتهم مرضى الأعصاب والذين لا رجاء لشفائهم بإنسانية رائعة. (سيجريد هونكه254:1993)

إن الصورة الحديثة للهوسبيس تجسدت في إطار تخصص طبي يسمى الرعاية الملطفة أو  التلطيفية  palliative care ، وهي تشمل جميع الأشخاص المقبلين على الموت، بحيث يعيشون أيامهم الأخيرة بصورة كريمة، ويحاطون بمختلف أنواع الرعاية الطبية والنفسية والإنسانية، حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولا. وتعرفها منظمة الصحة العالمية بأنها: نهج يحسّن نوعية حياة المرضى (البالغين والأطفال) وأسرهم ممن يواجهون المشكلات المرتبطة بالمرض الذي يهدد حياة المريض. وهي تتيح الوقاية وتخفيف المعاناة عن طريق تحديد الألم والمشكلات الأخرى سواء أكانت بدنية أو نفسية اجتماعية أو روحانية في مراحل مبكرة وتقييمها وعلاجها على نحو سليم. (منظمة الصحة العالمية 2014)

وإذ تعترف المنظمة بأن الرعاية الملطفة هي أمر أساسي لتحسين نوعية حياة الأفراد وعافيتهم وأسباب راحتهم وكرامتهم، بكونها خدمات صحية فعالة تركز على (الشخص) وتقيّم حاجة المرضى إلى الحصول على معلومات كافية ومراعية لوضعهم الشخصي والثقافي عن حالتهم الصحية. (منظمة الصحة العالمية 2014)

وتقر منظمة الصحة العالمية بأن الرعاية الملطفة هي مسؤولية أخلاقية من مسؤوليات النظم الصحية في كل المجتمعات، وبأنه يجب على أصحاب المهن في مجال الرعاية الصحية من الناحية الأخلاقية أن يخففوا الآلام والمعاناة سواء أكانت بدنية أم نفسية اجتماعية أم روحانية، بصرف النظر عن مدى إمكانية علاج المرض أو الاعتلال، وبأن الرعاية المقدمة إلى المحتضرين هي عنصر من العناصر الحاسمة للرعاية الملطفة. (منظمة الصحة العالمية 2014)

تؤكد الأدبيات المتعلقة بحركات الهوسبيس والرعاية التلطيفية أنها تتأسس على عدة مبادئ أســـاسية نذكـــر منها: (Department of Health and Human Services, USA, 2013)

  1. إنها تساعد المقبلين على الموت أن يعيشوا أيامهم الأخيرة في راحة واطمئنان، فالرعاية الملطفة تعمل على تحسين نوعية حياة المريض ودعمه ومساندته في تلك الفترة الصعبة التي يتهيأ فيها المريض للانتقال من عالمنا ويفارق ذويه وأهله وأحبته، وتسلك من أجل ذلك كل السبل التي تهيئ الراحة والطمأنينة للمرض.
  2. لا تقتصر– كما يعتقد البعض – على مرضى السرطان فقط، وإنما تهتم بكل الأشخاص الذين يكابدون أمراضًا لا يرجى شفاؤها. كما أنها لا تقتصر على كبار السن فقط، وإنما تشمل كل الفئات العمرية التي تشارف على الموت.
  3. الهدف من رعاية المحتضرين ليس الشفاء، وإنما تخفيف الألم.
    وتتضمن برامج الرعاية المتخصصة كافة الجوانب المتعلقة بالمريض: العضوية والعاطفية، والاجتماعية والروحية.  وتهتم الرعاية الملطفة بشكل خاص بالنواحي الروحية، ولذلك ينبغي الاستجابة لمطالب المريض فيما يتعلق بإحضار رجل دين لمجالسته، وكذلك أداء الطقوس الدينية التي يرغب فيها.
  4. تشمل برامج الرعاية أيضا الرعاية العضوية، وتقديم الاستشارات، والأدوية، والأجهزة الطبية. وتؤكد منظمة الصحة العالمية على الحاجة الملحة إلى إدراج الرعاية الملطفة في سلسلة الرعاية، ولا سيما على مستوى الرعاية الأولية، وتقر بأن عدم إدماج خدمات الرعاية الملطفة إدماجاً كافياً في نظم الرعاية الصحية والاجتماعية هو عامل رئيسي يسهم في انعدام الإنصاف في إتاحة مثل هذه الرعاية.
  5. غالبا ما تتم الرعاية في المنزل على أيدي متخصصين محترفين. وتعمل منظمة الصحة العالمية على توفير الدعم الأساسي إلى الأسر والمتطوعين في المجتمعات المحلية وغيرهم من الأفراد الذين يضطلعون بدور مقدمي الرعاية تحت إشراف المهنيين المدربين حسب الاقتضاء، وذلك بطرق من بينها إبرام الشراكات المتعددة القطاعات.
  6. تلعب الأسرة دورًا مهمًا في عملية الرعاية وتقديم الدعم، ولذلك ينبغي أن تكون الأسرة على وعي تام بأهمية الرعاية الملطفة.

كما ترتكز الرعاية الملطفة على ثلاث قيم أساسية: (African Palliative Care Association (APCA) 2010)

  • الأمل:

الأمل هو قــوة داخليــة ديناميكية تســاعد الفــرد على تجاوز حالته الراهنة، وتخلق وعيًا إيجابيًا جديدًا عن الذات ومعنى الحياة والموت. وقد يشعر بعض المرضى أن حياتهم ليست لها قيمة أو معنى أو هدف، ولذا فإن الرعاية الملطفة تتأسس على بث الأمل والطمأنينة في نفس المريض وفي نفوس من حوله.

  • الكرامة:

الكرامة كما يعرفها قاموس أكسفورد هي: التعامل مع الفرد وفق معايير الشرف والاحترام، وهي حق من حقوق الإنسان، وتتعرض الكرامة للانتهاك عندما يفقد الشخص استقلاله، وعندما يشعر أنه أصبح عبئًا على الآخرين، وليس مشاركًا في اتخاذ القرار، وغير قادر على الوصول للرعاية الصحية، ويعامل بشكل غير لائق من جانب مقدمي الرعاية. وفي كثير من الأحيان، يكون المرضى الذين يعانون من مرض مهدد للحياة عرضة لفقدان الكرامة ويشعرون أنهم لم يعودوا مُقَدّرين مثلما كانوا في السابق.

غير أن المحافظة على كرامة المريض في إطار الرعاية الملطفة يعد أمرًا ضروريًا وجوهريًا لكل من المريض وعائلته. وتؤكد فلسفة الرعاية الملطفة دومًا على أن رعاية المحتضر ليس منحة أو منّة، وإنما هو حق واجب للإنسان أينما كان، وينبغي أن يحصل على ذلك الحق بصورة كريمة ومشرفة.

  • المرونة:

تعني المرونة في هذا السياق القدرة على الصمود أمام الشدائد والتوترات، والقدرة على تحمل الظروف الاستثنائية بقوة. والمرونة تمثل عملية ديناميكية. يمكن أن تتغير بمرور الوقت، وهي مزيج من الخصائص الداخلية والخارجية للفرد ومدى تفاعله مع البيئة الاجتماعية والثقافية والمادية

وتؤمن فلسفة الهوسبيس بأن القوة كامنة في كل فرد، وأن الأشخاص الذين يعيشون أيامهم الأخيرة لديهم قدرة رائعة على الصمود، وعلى تحمل الألم والتعايش معه، وأن تلك القدرة يمكن تنميتها وتعزيزها من خلال الأُسر ومقدمي الرعاية والمختصين الاجتماعيين والنفسيين.

انطلاقا مما سبق فإن الرعاية التلطيفية تؤدي دورًا بالغ الأهمية في لفت الانتباه نحو البعد الاجتماعي والروحي للألم، وتخفيفه لدى المرضى بأمراض لا يُرجى شفاؤها. إن فلسفة رعاية المحتضرين تنظر للموت باعتباره المرحلة الأخيرة للحياة، إنها تؤكد على الحياة، ولا تستعجل الموت (فهي لا تفضل ما يسمى بالموت الاختياري أو الموت الرحيم) ولا تعمل على تأجيله، وتهتم عملية رعاية المحتضرين بالشخص أكثر من اهتمامها بالمرض، وتعمل على إدارة الآلام التي يكابدها المريض في أيامه الأخيرة، ليتمتع في تلك الأيام بالعيش بكرامة ورفاهية، محاطًا بعائلته وأحبائــه، إن رعاية المحتضر تتم حيثما يظن بعض النــاس أن كل شيءٍ قد انتهى. (American Cancer Society 2014:1)

ومع أن دور الرعاية التلطيفية تكشف عن عمق إنسانية هذه الرعاية، وعمق إيمانها بحق الإنسان في العيش بكرامة حتى آخر لحظة في حياته، وأن يتمتع بأيامه وساعاته الأخيرة بكرامة وأمل كأنه يعيش أبدًأ، إلا أنها تواجه في المجتمعات العربية إحدى المشكلات الاجتماعية الأساسية وهي النظرة الخاطئة والسلبية لتلك الوحدات، وهي ناجمة عن التصور والاعتقاد الخاطئ لدى غالبية الأفراد أن الرعاية الملطفة هي (مقبرة للأحياء) وقد يشعر البعض بشكل أو بآخر بأن ذلك (عيبًا وعارًا) لا ينبغي الإقدام عليه، والحقيقة أن هذه الأفكار والمعتقدات تمثل حجر عثرة في سبيل إنجاح تلك المؤسسات. ولذلك فإن ثمة مسئولية اجتماعية وأخلاقية تقع على عاتق علماء النفس والاجتماع والخدمة الاجتماعية من أجل نشر الوعي السليم بأهمية هذا النمط من الرعاية الصحية، والعمل على تغيير تلك الأفكار الخاطئة وفق خطة علمية محكمة وناضجة، وآمل أن يكون هذا المقال خطوة على ذلك الطريق المهم.

 

 


المراجع:

  • سيجريد هونكه، شمس الله تشرق على الغرب: أثر الحضارة العربية في أوربا، نقله عن الألمانية فاروق بيضون وكمال دسوقي، راجعه ووضع حواشيه مارون عيسى الخوري، دار الجبل ودار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الثامنة، 1993.
  • منظمة الصحة العالمية، جمعية الصحة العالمية السابعة والستون، التقرير 67/19 حول تعزيز الرعاية الملطفة كعنصر من عناصر الرعاية الشاملة طيلة العمر، مايو 2014.
  • American Cancer Society (2014) What is Hospice Care? Available on: cancer.org.
  • Department of Health and Human Services, USA, 2013.
  • Milicevic, N. (2002) The hospice movement: History and current worldwide situation, Archive of Oncology, No.10.
  • National Hospice and palliative care organization (NHPCO) (2012), Hospice Care in America.
  • African Palliative Care Association (APCA), Palliative Care,
  • American Cancer Society (2014) What is Hospice Care? Available on: cancer.org.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق