مقالات

الألم الإنساني: رؤية مغايرة (2) – د. حسني إبراهيم عبد العظيم

تلعب الأصول العرقية والفروقات الإثنية دورًا في تحديد طريقة ومستويات الاستجابة للألم وتحمله والتعبير عنه، كما يحضر الدين بجوانبه العقائدية والقيمية في التعامل مع الألم، وتحمل الآلام المرتبطة ببعض طقوسه.

 

تناولنا في الجزء السابق تعريف الألم، وتحدثنا عن التأسيس النظري للتعامل مع الألم كظاهرة اجتماعية – ثقافية، ونحاول في هذا الجزء الاقتراب من الجهد العلمي الذي بذله علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا في الكشف عن الأبعاد الاجتماعية والثقافية للألم.

دراسات سسيولوجية وأنثروبولوجية عن البعد الاجتماعي والثقافي للألم:   

الحق أن ثمة دراستين كلاسيكيتين شهيرتين لـكل من “مارك سبوروفسكي” M. Zborowski  عام 1952 بعنوان المكونات الثقافية للاستجابة للألم Cultural Components in Responses to Pain، و(إرفنج زولا) I. Zola عام 1966، بعنوان الثقافة والأعراض Culture and Symptoms مثلتا فتحًا مبينًا لتحليل الأبعاد الثقافية للألم في إطار الفضاء السوسيولوجي والأنثروبولوجي الرحب.

فقد كشف “سبوروفسكي” الدور الذي تلعبه الأصول العرقية – الثقافية في تقبل الألم وتحمّلُه، ففي هذه الدراسة التي أجريت على عينة من الأمريكيين القدامىOld Americans  وعينة أخرى من أمريكيين من أصول يهودية وإيطالية، تبين أن الثقافتين اليهودية والإيطالية تطرحان إطارًا محددًا في التعامل مع المرض، يختلف عما تطرحة الثقافة الأمريكية، فالثقافتان اليهودية والإيطالية تسمحان للفرد بالتعبير الحر عن مشاعره وعواطفه بالكلمات والإشارات كما تسمحان بحرية التعبير عن الألم والمعاناة من خلال البكاء والأنين، فلا مجال للخجل من الشكوى، ويلاقي المريض بذلك تعاطفًا من أفراد أسرته. أما الثقافة الأمريكية الحديثة فإنها تتعامل مع المرض بصورة موضوعية صارمة من خلال التحديد العلمي الدقيق له، ويتحاشى المريض إظهار الشكوى والمعاناة؛ لأن ذلك يتناقض مع المعايير الثقافية المرتبطة بقوة الرجل وقدرته على التحمل. (Zboroweski 1952: 16)

ولاحظ (سبوروفسكي) أيضا تباينًا في الاتجاه نحو الألم بين الإيطاليين واليهود، فثمة توجه نحو المواجهة الحاضرة للألم لدى الإيطاليين، حيث اجتهد الإيطاليون في البحث عن طريقة لتخفيف الألم، ومن ثم شعروا بالرضا والارتياح بعد اختفاء الألم، في حين وجد أن هناك توجها نحو المستقبل لدى اليهود، حيث كانوا أكثر اهتماما بمعنى الألم وأهميته، والنتائج المترتبة عليه بالنسبة لصحتهم ورفاهيتهم المستقبلية.   (Bendelow and Williams 1993:275)

وقد قام (ستيرنباخ)Sternbach  و(تورسكي) Tursky بإجراء تجربة معملية للتأكد من صدق ما ذهب إليه (سبوروفسكي) فأحضرا عددا من ربات البيوت من الأمريكيات من أصول أيرلندية وإيطالية ويهودية، وأمريكيات أصليات (قدامى) Yankee   إلى معمل “للتحليل النفسي/ الفسيولوجي” Psycho-physiological Lab.  حيث تم تعريضهم لآلام نتيجة صدمة كهربائية، وقاما الباحثان بتسجيل استجاباتهم. ودعمت نتائج الدراسة بعض الملاحظات التي سجلها سبوروفسكي، فيما يتعلق بالتباين في القدرة على تحمل الألم والاستجابة له.     (Mechanic 1978:264 – 265)

أما دراسة (زولا) فتعد إحدى النماذج العلمية المشهودة لفحص العلاقة بين الثقافـة والألـم. ورسخت ما توصل إليه سبوروفسكي، حيث تم الكشف عن التباين بين الجماعات الإثنية في الولايات المتحدة فيما يتعلق باستجابتها للألم. ودعمت رؤية سبوروفسكي، حيث وجد أن هناك اختلافا بين الأمريكيين ذوي الأصول الإيطالية، والأيرلندية، والأنجلوساكسونية، فاستجابة الإيطاليين حسب ما يرى زولا، هي بمثابة آلية دفاعية Defence Mechanism لمواجهة القلق، حيث يبالغون في التعبير عن آلامهم، ويكررون الشكوى مرارًا وتكرارًا، وبالتالي يشتتون الإحسـاس بالألم، أما الأيرلنديون فإنهم يتجاهلون الألم ويستخفون به، وتلك بدورها آليـة دفاعيـة مغايرة. (Bendelow and Williams 1995b:96)

وأثبتت دراسة حديثة على عينة من مرضى التهاب المفاصل الروماتويدي Rheumatoid Arthritis مكونة من 42 مريضة مصرية و30 مريضة هولندية، وجود فروق واضحة في التعامل مع الألم والاستجابة له بين المجموعتين، حيث كشفت الدراسة أن المصريات يظهرن تعبيرًا أكثر وضوحًا للمرض من الهولنديات، وفسر فريق البحث ذلك بتفسيرات تتسق مع ما وصل إليه (سبوروفسكي) و(زولا) من أن الثقافة تلعب دورًا مؤثراً في التعامل مع الألم، فالمصريات ينتمين لثقافة البحر المتوسط، وهي ثقافة تسمح بالتعبير الحر عن المشاعر، خاصة بين النســاء. (Vlaar, P., et.al., 2007:732)

وقد أكدت دراسات عديدة أخرى أن ثمة علاقة بين الإثنية والسلالة([1]) والاستجابة للألم، حيث سجل العديد من الباحثين فروقا إثنية فيما يتعلق بشدة الألم وتحمله، ورصدوا اختلافات معتبرة في مســتويات تحمل الألم، وفي اتجاهات الجماعات الإثنية نحوه، والحقيقة أن التراث العلمي حول الإثنية والألم قدم أدلة كافية ترقى لدرجة التواتر recurrence على تلك العلاقة، حيث كشف عن أن الاختلافات الإثنية والسلالية في تصور الألم، وتقييمه، وعلاجه تمت ملاحظتها في العديد من المواقع الطبية، وفي كل أنماط الألم، والنقطة الحاسمة في هذا الإطار أن الاختلافات الإثنية والسلالية فيما يتعلق بالاستجابة للألم تتأثر بصورة أساسية بالعوامل الاجتماعية والثقافية، باستثناءات (وراثية) بسيطة.  (Morris 2010:135)

ولقد تواترت الدراسات السوسيولوجية والأنثروبولوجية الميدانية المتعاقبة بعد ذلك في تأكيدها فكرة أن الألم ظاهرة معقدة، تتأثر بالبناء الاجتماعي والثقافي والموروث التاريخي لكل مجتمع، وأن القدرة على تحمل الألم تتباين وفقا لمجمل تلك العــوامل.

قدم “ميلزاك” مثالا على الاختلاف في خبرة ولادة الطفل بين الثقافة الغربية والثقافة البدائية ممثلة في إحدى قبائل أمريكا الجنوبية، حيث كتب يقول: )تعد عملية الولادة واحدة من أصعب الآلام التي يمكن أن تكابدها المرأة في الثقافة المعاصرة، وقد لاحظ الأنثروبولوجي الأمريكي “كروبر “Kroeber أن النساء لا يظهرن أي إحساس بالألم أو المعاناة أثناء الوضــع، وبالإضافة إلى ذلك تستمر النسـوة الحوامل في ممارسة العمل في الحقول حتى قبل الولادة بوقت قصير، وبعد الولادة تعود الأم إلى الحقل لاستئناف العمل، وقد يبقى الزوج مع الطفل لرعايته لحين عودة الأم. ويتساءل “ميلزاك” هل يعني ذلك أن النساء في ثقافتنا الغربية المعاصرة يتصنّعن making up الألم؟ ويجيب بالطبع لا، إن ما يحدث هو جزء من ثقافتنا التي تنظر إلى عملية الولادة بأنها تمثل خطرًا محتملًا على صحة الأم، وتتعلم الفتيات الصغيرات الخـــوف من الولادة في مراحل نموهن المختلفة). (Tuckett 1978: 167)

ويرصد “ميلزاك” مثالًا آخر من الهند حيث يقول: “يعد طقس تعليق الخطاف أو (السنارة)  hook hanging   – الذي ما زال يمارس في بعض مناطق الهند – واحدا من أغرب الأمثلة على تأثير القيم الثقافية على تحمل الألم، هذا الطقس مأخوذ أساسًا من ممارسة قديمة ترتكز على اختيار أحد أفراد الجماعة الاجتماعية ليمثل قوة الآلهة. يتحدد دور الرجل المختار (أو الكاهن) Celebrant  في مباركة الأطفال والمحاصيل الزراعية في عدد من القرى المتجاورة في فترة معينة من العام. المدهش في هذا الطقس أنه يُؤتى بعدة خطافات حديدية، وتُشد بحبال قوية وتُربط في عربة خاصة، وتُغرز الخطافات تحت الجلد في جانبي الظهر، وتبدأ العربة في التحرك من قرية إلى قرية، وبالطبع يتحرك الرجل حيثما تتحرك العربة، وفي قمة الاحتفال يتأرجح الرجل في الهواء بطريقة شعائرية، وهو معلق بالخطافات المغروزة في ظهره، والغريب أنه لا توجد أية دلائل على أن الرجل يتألم أثناء ذلك الطقس، بل إنه يكون في (حالة رفعة أو مجد) state of  exaltation   وعندما تُخلع الخطافات في النهاية تُشفى الجروح سريعًا دون تدخل طبي ، باستثناء وضع رماد الخشب wood ash  عليها، وبعد مرور أسبوعين تقريبًا تختفي تماما آثار الجروح.              (Tuckett 1978: 167 – 168)

ويكشف المثال السابق الدور الذي يلعبه الدين بجوانبه العقائدية والقيمية، والطقوسية في التعامل مع الألم؛ فالواقع أن الدين يعد عاملاً مهما في مسألة تقييم الأحداث بشكل عام، حيث يتم تفسير الأحداث باعتبارها دروسًا من عند الله، أو ثوابًا أو عقابًا، أو عدم رضًا من الله، أو النظر للأحداث والوقائع بصورة عامة باعتبارها جزءاً من إرادة الله الخفية. ويعدّ هذا البعد الديني مهمًا في سياق التعامل مع الألم، خاصة عندما يواجه الأفراد آلاما قاسية، وتؤكد الدراسات أن الأفراد الذين يواجهون مشكلات طبية خطيرة يفسرون تلك المشكلات باعتبارها انعكاسًا لإرادة الله.(Bush et al.1999:250)

والحقيقة أن الألم  – ومشتقاته ومرادفاته – يعد من أكثر المفاهيم حضوراً في النصوص الدينية المقدسة، ويتعلق الأمر دائمًا بارتباط الحياة بالآلام والمشقات، وبالتحذير من عذاب الله الأليم في الحياة الأخرى، وبالدعوة للصبر عليه وتحمله، بل إن الألم في الكتاب المقدس في عهده القديم يمثل عقابًا إلهيًا للمرأة جراء الخطيئة الأولى، ولذلك فكان قدر المرأة أن تكابد آلامًا عظيمة في الولادة، فقد جاء على لسان الرب في سـفر التكوين – الإصحـاح الثالث: “وقال للمرأة تكثيرًا أكثر ألامك،بالوجع تلدين أولادًا، إلى رَجُلك يكون اشتياقك، وهو يسود عليكِ”. ومن جانب آخر تمثل آلام المسيح على الصليب – حسب المعتقد المسيحي – طريقاً للخلاص من لعنة الخطيئة الأولى.

ومن جانب آخر، تمثل الطقوس التجلي والتجسيد المباشر للمعتقد الديني، ومن ثم فإن المشاركة في الطقس الديني تجعل من لغة المقدس الرمزية فضاءً لتحويل الكائن إلى فاعل مشارك ومؤثر في الفعل الخارق، وفي هذا السياق تشكل الطقوس الفضاء الأمثل للانتقال والعبور من الدنيوي إلى القدسي، ومن ثم ممارسة الفعل المؤثر الناتج عن مبدأ الانخراط والمشاركة. (الزاهي77:2011)

ولذلك، نلاحظ أن المعتقد الديني يلعب دورًا حاسمًا في تحمل الألم المرتبط ببعض الطقوس الدينية، وتمثل طقوس عاشوراء لدى المسلمين الشيعة نموذجًا مثاليًا في هذا السياق، حيث يقوم الأفراد بضرب رؤوسهم وأجسادهم بسيوف، وسلاسل من حديد بطريقة غاية في الإيلام، وهم يتحملون ذلك بجَلَد عجيب، وذلك نتيجة التماهي مع الطقس الديني، والتشبع برمزيته التاريخية والاعتقادية.

خاتمة :

حاول المقال الكشف عن أن اختزال الألم في بعده العضوي طرح فهماً قاصرًا للظاهرة، وأهدر الحقيقة العلمية المتكاملة بشأنها، وهي أن الألم ظاهرة اجتماعية ثقافية شديدة التعقيد، وأماط المقالان اللثام عن تواتر الجهود العلمية لكشف الأبعاد الاجتماعية والثقافية للألم، واتضح أن الثقافة هي كلمة السر في تنوع الاستجابات الإنسانية للألم الإنساني، وأن كل العوامل الاجتماعية الأخرى تدور في فلك التأثير الثقافي الأعمق.

إن الألم الإنساني موضوع مهم على المستويين العلمي والإنساني، وربما تكمن أهمية المقال الحالي بشكل أساسي في لفت أنظار الباحثين العرب لمزيد من البحث والتقصي، للوصول إلى نظرية سوسيولوجية عربية لفهم الألم وأبعاده وتعقيداته في ظل بنية ثقافية عربية شديدة الثراء، واستناداً لذلك يمكن اعتبار هذا المقال خطوة صغيرة على طريق طويل لفهم الألم وتفسيره والتعامل معه.

 


المراجع:

  • ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم (د.ت) لسان العرب، دار صادر، بيروت.
  • الزاهي، نور الدين (2011) المقدس والمجتمع، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء.
  • المعادي، زينب (2004) الجسد الأنثوي وحلم التنمية: قراءة في التصـــورات عن الجسـد بمنطقة الشـاوية ، غير مبين دار النشر.
  • عمر، نادية السيد (1993) العلاقات بين الأطباء والمرضى: دراسة في علم الاجتماع الطبي، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية.
  • مجمع اللغة العربية بالقاهرة(2004) المعجم الوسيط، الطبعة الرابعة، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة.
  • Bendelow, G. (1993) Pain perceptions, emotions and gender, Sociology of Health & Illness Vol. 15 No. 3.
  • Bendelow and Williams (1995a) Transcending the dualisms: towards a sociology of pain, Sociology of Health and Illness Vol. 17 No. 2.
  • Bendelow and Williams (1995b) Pain and the Mind-Body Dualism: A Sociological Approach, Body & Society, Vol. 1, No. 2.
  • Bush E., et al. (1999) Religious Coping with Chronic Pain, Applied Psychophysiology and Biofeedback, Vol. 24, No. 4.
  • Morris, D.,(2010) Sociocultural Dimensions of Pain Management, In Bonica’s Management of Pain, 4th edition, Lippincott Williams & Wilkins, New York.
  • Tuckett, D., (1978)An Introduction to Medical Sociology, Tavistock Publication, London.
  • Turner, S., (1992) Regulating bodies :Essays in medical sociology,

Routledge,  London and New York.

  • Turner, S.,(2006) The Cambridge Dictionary of Sociology, MA: Cambridge University press, Cambridge.
  • Turner, S., (2008) The Body and Society, Third edition, SAGE

Publications Ltd., London.

  • Vlaar, P., et.al.,(2007) A Cross-Cultural Study of Pain Intensity in

Egyptian and Dutch Women With Rheumatoid Arthritis,The Journal of Pain, Vol., 8, No.,9

  • Zboroweski, M. (1952)Cultural Component In Responses to Pain, Journal of Social Issues, No. 4.

([1]) يرصد “موريس” الاختلاف المعجمي بين مصطلحي الإثنية ethnicity والسلالة race، حيث يشير الأول إلى الخصائص والتمايزات الثقافية cultural distinctiveness ، أما الثاني  فيشير إلى السمات الوراثية العضوية والطبيعية physical and biogenetic characteristics. بيد أن علماء الأنثروبولوجيا الفيزيقية يعتبرون الاختلافات اجتماعية بالأساس أكثر من كونها وراثية. أنظر (Morris 2010: 135)

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق