مراجعات

قراءة في كتاب “دفاعاً عن الحداثة” لآلان تورين – عثمان لكعشمي

بعد مضي ما يناهز عقدين و نصف، على إصدار المفكر و السوسيولوجي الفرنسي آلان تورين(Alain Touraine) لكتابه الموسوم ب: ”نقد الحداثة” (Critique de la Modernité)، الصادر عن منشورات Fayard، باريس، 1992. أصدر، خلال السنة الماضية، كتابا معنوناً ب: ”دفاعاً عن الحداثة” (Défense de la Modernité)، الصادر عن دار النشر الفرنسية Seuil، باريس، 2018.من هنا كان لزاماً علينا أنْ نتساءل: لماذا العودة إلى الحداثة، في ظل عصر يتنفس من نزعات تقول بمجاوزتها إلى ما يسمى بما بعد الحداثة؟ أو بالأحرى، هل هي عودة إلى الحداثة، أم هي دعوة صريحة إلى الحداثة، إلى إعادة بناء حداثة أخرى، ضداً في النزعات الاقتصادية المتوحشة وعولمة الاقتصاد… التي تنخر المجتمعات المعاصرة وتكتسح كيانات المعمور، التي بُنيت على أنقاض المجتمع الصناعي القديم؟

 

 

قد يتساءل القارئ في البداية عن مدى التماسك المنطقي للعنوان، فكيف السبيل للدفاع عن الحداثة بعد نقدها، ألا ينطلي الأمر على تناقض أو يحيل إلى مفارقة؟ لا ريب، في أنه تساؤل مشروع لا يخلو من أية معقولية. فهل من المعقولية بمكان أنْ ننتقد فكرة أو قضية ما وندافع عنها في نفس الآن، كما هو الشأن بالنسبة للحداثة؟ لكن سرعان ما ستتداعى وتتلاشى هذه الأسئلة الواحدة منها تلو الأخرى، من تلقاء نفسها، عندما نطرح السؤال الآتي: هل الحداثة موضوع النقد هي نفسها الحداثة موضوع الدفاع؟ أيّ نقد لأيّة حداثة؟ أما من حيث المجرى، فنتساءل: كيف يحق للمرء الدفاع عن الحداثة قبل انتقادها، أو بالأحرى قبل انتقاد وجه من أوجهها، لكي يتسنى لنا حداثة ندافع عنها؟  من هذا المنطلق يستمد العنوان مشروعيته الإبيستيمولوجية والسوسيولوجية.

 

من أجل سوسيولوجيا تاريخويّة

ليس من السهولة بمكان تصنيف فكر أو بالأحرى سوسيولوجيا آلان تورين والحالة هذه. فهو يمتح من تاريخانية ماركس وماديته الجدلية، كما يمتح من تأويلية ماكس فيبر، سواء تعلق الأمر بالفعل الاجتماعي أم بالفاعل الاجتماعي، بغض النظر عما يسمى بمدرسة فرانكفورت النقدية، وكذا حفريات فوكو.. وغيرها من المفعولات كثير. حيث يتعذر علينا تصنيف مفعولاته الفكرية في اتجاه بعينه أو مدرسة بعينها، وبالتالي سجنه في قالب معرفي بعينه. لكن ذلك لا يمنعنا من القول، بأن هذا الامتناع عن التصنيف في سوسيولوجيا بعينها، مرده إلى كونه تمكَّن، من خلال مساره العلمي الحافل بمنجزات البحث المُضني والممارسة السوسيولوجية الحثيثة والمحايثة لراهنية التحولات المجتمعية، مِن بناء وتشكيل وصياغة سوسيولوجياه، سوسيولوجيا خاصة به، يمكن وسمها بالتاريخويّة (L’historicité)، وما تقوم عليه من أسس إبيستيمولوجية ومفاهيمية ومنهجية.. يمكن وصفها بالمغايرة. لكن، ما علاقة هذه السوسيولوجيا بالحداثة موضوع مقالنا والحالة هذه؟ تكمن العلاقة في كون تصور تورين للحداثة يقوم على هكذا ممارسة سوسيولوجية، ويرتبط بمجرى سوسيولوجي متعدد ومتنوع.

لعل تصور تورين للحداثة فكرة وموضوعاً، ليس هامشاً معزولاً أو جزيرة معزولة، عن متنه السوسيولوجي بعامة، وإنما هو سيرورة معرفية لنفس الدَّرب السوسيولوجي، الذي يرسم معالمه باستمرار في كلّ عَمل ونصّ مِن أعماله وأبحاثه ودراساته وكتبه. فمنذ أبحاثه الأولى عن العُمّال و الحركات الاجتماعية وصولاً إلى حركة السترات الصفراء، يعمل و ينشط مفكِّرنا في نفس الدَّرب: سوسيولوجيا تاريخويّة( وتاريخويّة سوسيولوجيّة). تاريخوية: منظوراً إليها لا كما التاريخانية، النزعات التاريخية المعهودة، التي تشترط الوجود البشري والمجتمعي بشروط ومحددات تاريخية تطورية حتمية، ولا كما تًقدِّمها فلسفات التاريخ والفكر الاجتماعي والسياسي عموماً، وإنّما منظوراً إليها باعتبارها النماذج الثقافية التي يَنتج بها مجتمع ما ذاته، منظوراً إليها بوصفها إبداعاً لتجربة تاريخية بعينها. إن تاريخوية مفكِّرنا لا تحدّد المجتمع إلاّ بقدرته على الفعل في ذاته، من خلال الصراع الاجتماعي المتجسد في العلاقات الاجتماعية: بين المنظومة والذات الفاعلة (Sujet). وذلك الإبداع- إبداع التجارب التاريخية- لا يكون ممكناً إلا من خلال الفاعلين الاجتماعيِّين، أو من خلال العلاقة المتوترة بين المجتمع والذّات الفاعلة: العلاقات الاجتماعية.

 

نقد الحداثة: نقد أيّة حداثة؟

قد توحي لنا عبارة ”نقد الحداثة” أن الأمر يتعلق بالفكر الذي يُنعت تصنيفاً ب ”ما بعد الحداثة”. لكن سرعان ما يتبدد هذا الانطباع، إنْ لم ينفجر فور اسكناه فحوى ما ترمي إليه تلك العبارة، نظراً لما تتضمنه من تصور وموقف للحداثة، يمكن وصفه بالمغاير. يتعلق الأمر بتصور آلان تورين، للحداثة. إنه تصور مغاير، وما يجعله كذلك هو ابتعاده عن مجمل ومختلف الطروحات الفكرية السائدة والمعهودة عن الحداثة نفسها؛ أنَّى كانت: سواء تعلق الأمر بعقلنة (rationalisation) الحداثة أم بتذويتها (subjectivation)، بالحداثة أم بما بعدها. لا يرجع ذلك، إلى الطابع السوسيولوجي لذلك التصور أو لسوسيولوجية نمط تفكيره فحسب، وإنما إلى خصوصية سوسيولوجيته وتفردها، بما هي سوسيولوجيا تاريخوية.

يُعلنها نقداً سوسيولوجياً للحداثة، لا ينفي الحداثة إثباتاً لما بعدها بقدر ما يقوض بعدياتها ويخلخل موضوع تجاوزها، الحداثة ذاتها. لذلك، فإن انتقاده للحداثة ليس ضداً فيها بل دفاعاً عنها ومن أجلها. من أجل أيّة حداثة؟ ذلك هو السؤال الذي يقذف بنا مباشرة في صلب الموضوع؛ انتقاد الحداثة: كانتصار للعقل؛ من أجل حداثة مغايرة. إذا كانت الحداثة ارتبطت بالعقلنة كمبدأ عام ووحيد لتنظيم الحياة الفردية والجماعية، فإنه حري بنا أن نتساءل فيما إذا كانت تقتصر على مبدأ واحد ووحيد فحسب، ألا تشكل الذات الفاعلة الوجه الآخر، الوجه الثاني، اللّا مفكر فيه للحداثة؟

إن سوسيولوجي الحداثة عندما يطرح سؤال ”ما الحداثة ؟” فإنما يفعل ذلك، سعياً منه إلى خلخلة وتقويض هذه المنظومة المسماة حداثة. بمعنى آخر: الكشف عن الوجه الآخر؛ ذلك الوجه الذي طالما عمل التاريخ أو نمط معين منه– التاريخانية المعهودة– على طمسه وحجبه. ألا وهو الذات الفاعلة. التي يشكل الفرد مركزاً ومنطلقاً لبعث شعلتها. إذا أعدنا طرح سؤال نقد أيّة حداثة؟ سنجيب: نقد الحداثة بوصفها كلية مفقودة، منظومة، وعقلانية متخشبة تنفي أيّ دور للفرد والذات الفاعلة. لكن، دون أنْ يعني ذلك أي انتصار للذات الفاعلة، وبالتالي السقوط في قلب تصورات ما بعد الحداثة.  إنه سعي من أجل تعريف الحداثة أو بالأحرى إعادة تعريفها، على نحو مغاير.

 

دفاعاً عن الحداثة: دفاعاً عن أيّة حداثة؟

لا يهدف آلان تورين، من وراء نقد الحداثة، إلى رفضها في ذاتها، بقدر ما يهدف إلى تقويض مزدوج للعقلنة والتذويت معاً. بُغية إعادة تعريفها: إن الحداثة هي علاقة مشحونة بالتوترات، بين العقل الفاعل والذات الفاعلة، بين العقلنة والتذويت بين روح النهضة و روح الإصلاح، بين العلم و الحرية. ليست الحداثة عند تورين، قبلية ولا بعدية، لا عقلنة ولا تذويت، لا منظومة ولا فاعل، لا علمنة ولا دنيوة، وإنما هي: سيرورة غير منقطعة للعلاقة المتوترة بين الماقبلي والمابعدي، بين العقلنة و التذويت، بين المنظومة و الفاعلين، بين العلمنة و الدنيوة. إن الحداثة حوار مستأنف ومستمر بين العقلنة والتذويت. هذه هي الحداثة التي يدافع عنها تورين: الدفاع عنها باعتبارها تجربة تاريخوية متفردة.

أمام ما يشهده العالم اليوم من تحولات عنيفة، وتسارع للتاريخ، عولمة الاقتصاد وتصاعد مكثف للنزعات الاقتصادية المتوحشة، وظهور أشكال جديدة من الحركات الاجتماعية التي أضحت تؤكد بشكل مباشر وأكثر من أيّ وقت مضى على حقوق الإنسان، المحايثة للأشكال الجديدة للهيمنة… يدعونا سوسيولوجي الحداثة إلى إعادة التفكير والنظر في الفعل الاجتماعي على ضوء العصر الذي نعيشه ونتنفسه، من خلال فاعليْن اثنين، ألا وهما: النساء والمهاجرين. أمام الانفصال والتحلل والتفكك الذي طال و يطال المجتمعات الأوروبية عموماً و المجتمع الفرنسي على وجه الخصوص، حيث حلت مجتمعات جديدة تماماً، دخلت لحظة الحداثة المفرطة(L’hypermodernité)–  و ليس ما بعد الحداثة- محل المجتمع الصناعي القديم. أمام كل ذلك، يدعونا صاحب ”دفاعاً عن الحداثة”  إلى الدفاع عن الحداثة، باستمرار، بوصفها لحظة تاريخية متجددة، لحظة مستأنفة لا تنفك عن التوقف.

دفاعاً عن الحداثة، ضداً في النزعات الاقتصادية المتوحشة التي تهدد فاعلية الإنسان التاريخية من ناحية، ووجود العلوم الاجتماعية من ناحية ثانية. فكرة الحداثة هذه، تنطلق من الدعوة إلى إعادة التفكير في عصرنا. الدفاع عن الحداثة هو دفاع عن فاعلية الإنسان التاريخية والإبداعية من جهة، ودفاعاً عن العلوم الاجتماعية بشكل عام والسوسيولوجيا بشكل خاص. ضداً في النزعة القدرية الاقتصادية (fatalisme économique)، التي تحكم الكوكب، يدعونا تورين إلى إعادة صياغة الأهداف المركزية للتحليل السوسيولوجي ومعرفة العالم من أجل إحياء حركات التحرر والتحرير.

وعلى هذا النحو، فإن نقد الحداثة أو الدفاع عنها في نفس الآن، هو بشكل أو بآخر نقداً للمعرفة السوسيولوجية والدفاع عنها في نفس اللحظة. أوليست السوسيولوجيا بنت الحداثة كما قيل؟ إن الإنسان في نهاية المطاف هو منتوج لفعله هو هو، أو لنقل مفعولاً لتجربته التاريخية المتفردة. ومن هذا المنطلق، فإن السوسيولوجيا ليست شيئاً آخر أكثر من التفكير والتفكر في هذه التجربة التاريخية، وإبراز دور الفاعلين الاجتماعيين في إبداعها ومحاولتهم المستمرة للتحرر من قبضة المنظومة، بل إنّ مهمة السوسيولوجيا- والسوسيولوجي- هي المساهمة في إبداع هذه التجربة ذاتها، ومساعدة الفاعلين الاجتماعيين على التحرر. بهذا المعنى يكون نقد الحداثة بمثابة نقد للسوسيولوجيا التي تنتصر للمجتمع ككلية مفقودة على حساب تهميش الفاعلين، والدفاع عن الحداثة هو دفاع عن سوسيولوجيا مغايرة تأخذ بعين الاعتبار الفاعلية التاريخية للفاعلين على ضوء العصر الذي نعيشه. سوسيولوجيا مغايرة لحداثة مغايرة، كفيلة بمقاومة المخاطر التي تتهدد المجتمعات الجديدة، إنْ لم يكن تحريرها.

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق