مقالات

الفلسفة، أسلوبًا للحياة : مقدمة – جون سيمونز

ترجمة: إبراهيم الكلثم - مراجعة : أروى الفهد

(سلسلة مقالات يكتبها البروفسور جون سيمونز خصيصًا لمنصة معنى) 

 

إنَّ الفلسفة مشروعٌ شخصيّ للغاية، فالباعث على دراسة الفلسفة -بخلاف دراسة وسائل التواصل أو إدارة الأعمال أو الهندسة على سبيل المثال- ليس رغبةً عارمة في نيلِ شهرةٍ أو حيازة ثروة أو حتى في أن تكون مفيدًا بقدر ما هي رغبة في أن يفهم المرء نفسه والكون من حوله فهمًا تامًّا وكاملًا. كما أن فُرصةَ أنْ يفسح المرءُ مجالًا للفلسفة في حياته لهي تعبير عن ترفٍ وامتياز، لكن هذا لا يعني أنه ثمّة مفر من إلحاح الأسئلة الفلسفية.

يطرح كل من يفكر أسئلةً فلسفية من قبيل: كيف أعيش؟ ماذا يمكنني أن أعرف؟ ما الذي ينبغي علي أن أهتم بشأنه؟ ما هو الواقع؟ إلا أنه لا يُجاب عن الأسئلة الفلسفية بإجراء استطلاعات رأي أو تجارب مخبرية. في واقع الأمر، لا يُمكن أن يُجيب العلم منفردًا عن كل هذه الأسئلة، فالعلم محدود تحديدًا دقيقًا، فلا يمكنه أن يقول لنا -مثلًا- هل علينا أن نصدق ادعاءات العلم نفسه أم لا، بل إن قيمة العلم ليست قضيةً يفصّل فيها العلم.

إن الأسئلة الأساسية عن طبيعة القيمة والحقيقة والواقع قد شغلت أجيالًا عديدة من المفكرين، وما زالت تشغل مجموعة من الفلاسفة يزداد عددها يومًا بعد يوم حول العالم. إذ إنّ كل واحدٍ منا مهموم إلى حد ما بإجابات هذه الأسئلة. وكل واحد منا -كما يُشدد على ذلك أرسطو- مجبول على رغبة المعرفة، فرغبة المعرفة -كما يزعم- تكشف عن نفسِها في البهجة التي نجدها في قدرتنا على الإبصار والسماع والتذوق والشم؛ فنحن لا نستخدم قدرتنا على تحسس العالم عَبر حواسنا سعيًا خلف أهداف عملية، بل إننا نثمّن إمكانيتنا على تحسس العالم وقدرتنا على تمييز مناحٍ مختلفة من الواقع، ونفعل ذلك بغض النظر عما قد يحمله التحسس والإدراك من فائدة عملية؛ فالمعرفة خير من الجهل.

وعلى الرغم من أننا نفضّل المعرفة على الجهل عمومًا، إلا أننا قد نسلك دروبًا مختلفة نحو تطبيق الفلسفة تطبيقًا محددًا. فعادةً ما يبدأ طريقنا بمجموعة خاصة من الاهتمامات والأسئلة، إشكالات من حياة المرء الشخصية، أسئلة يتصارع المرء معها، أو مشاعر تضايقنا، وغالبًا ما تكون تلك الأسئلة أسئلةً فردية بحتة. ولكن عندما نفكر تفكيرًا فلسفيًا بهذه الأمور فسرعان ما يتسع نطاق بحثنا ويتمدد، متخطيًا نقاط انطلاقاتنا ومشاكلنا العملية تخطيًا يساعدنا على بلوغ فَهْمٍ أعمقٍ لها؛ فالبحث الفلسفي يساعدنا على الانتقال من همومنا الشخصية إلى هموم كونية، أو إلى الانتقال إلى اتخاذ موقف عام إزاء هذه الهموم، فعلى سبيل المثال، بعد موقف ما في العمل قد أتساءل إن كان المدير يحترمني أم لا، وهذا التساؤل بدوره قد يقودني إلى التفكّر في طبيعة الاحترام نفسه بمفهومه العام، أو قد يقودني إلى طرح سؤال لماذا علينا أن نهتم باحترام الآخرين لنا؟ ما هو الاحترام؟ ومتى يكون مستحقًا؟ ..إلخ. كما قد أشك في أن جاري يخدعني، وهذا قد يجعل من له هوى فلسفي يتساءل عن مدى قدرتنا على معرفة ما في عقول الآخرين. وبدلًا عن السؤال بِهَل هذه الكنبة مصنوعة من الريش حقًا، فإننا قد ننتقل إلى التساؤل حول طبيعة الواقع نفسه، إذن، فالفلسفة تأخذنا من ظروف حياتنا المعينة إلى هموم أعم وأكثر كونية.

إن أحد استخدامات كلمة «فلسفي» (philosophical) في التداول اليومي تعني الاتزان أو راحة البال، وهذا -في واقع الأمر- يشير تحديدًا إلى الأثر الذي قد يخلّفه البحث الفلسفي، إذ قد يساعدنا البحث الفلسفي في وضع حيرتنا وصعوبات حياتنا في منظورها الصحيح. بهذا المعنى، يُعدّ اِتخاذ موقف فلسفي حيال المشاكل العملية – أحيانًا- باعثًا على راحة بال الفيلسوف. ولكن الفلسفة أيضًا متجذرة في الشغف، حيث يصف أفلاطون شغف الفيلسوف -على منوال شغف الفنان والشاعر- بالحكمة. وهذا المفهوم الأفلاطوني للفلسفة محفوظ في اسمها: فكلمة فلسفة (philosophy) مكونة من كلمتين إغريقيتين، هما: فيلين philein (أن تحب) وصوفيا sophia (الحكمة). فالفلسفة تتجسد في بعض محاورات أفلاطون في شخصياته بوصفها رغبةً مجنونة في شيءٍ ما يتجاوز قدرة الكائنات الفانية المحدودة على تحقيقه. إنّ الرغبة غير المحققة نقيض الاتزان؛ فإن كنتَ عُرضةً لرغبةٍ ما فلن تكون حالتك هادئة ولا رائقة؛ فكيف لهذه الصورة الأفلاطونية للفيلسوف بوصفه كائنًا تجتاحه رغبة المعرفة أن يتناسب مع صورة سقراط، رابط الجأش، الذي يتقبّل موته دون احتجاج؟ هناك طريقة تجمع هاتين الرؤيتين للفيلسوف: في محاضرته عن كتاب فينومينولوجيا الروح لهيجل، يصف ألكسندر كوجيف الفلسفةَ بوصفها مدفوعةً برغبة نيل ضربٍ من الحكمة ترضيها ذاتيًا، حالة يُجاب فيها عن جميع الأسئلة وتُفَكّ كل الألغاز. إذن، وللأسف، لن نكون حكيمين أبدًا، ولكننا مع ذلك نسعى سعيًا شغوفًا نحو الحكمة. لعل هناك جانبًا مَرَضيًّا في رغبةٍ كهذه. إذ تنطوي الرغبة الفلسفية في بلوغ الحكمة -مثل الحياة نفسها- على عنصر تراجيدي. وإن فَهْم هذا العنصر التراجيدي، وفهم المرءُ لأهدافه، وفهم كيف تُشكّلنا رغباتنا، وفهم محدوديتنا، كل ذلك يُشكِّل جزءًا كبيرًا مما تقدمه الفلسفة. وعليه، إضافةً إلى فهم حقائق معينة ومحاولة فهم كيف يسير العالم، فإن الفيلسوف يتصارع مع سؤال «ما الذي يعنيه أن تكون إنسانًا».

قد صُوّرت الفلسفة على امتداد التاريخ على أنها مَرضية وصحية في نفس الوقت. فإن أغلبنا يعيش لحظات غضب ولحظات من الرضا البالغ في البحث الفلسفي. حيث يبدأ بعضُنا في دراسة الفلسفة من باب الفضول، بينما يجد آخرون أنفسهم مدفوعين إليها بعد إدراكهم بأنه لا مفر من الأسئلة الفلسفية الأساسية. وبمناسبة القول، فلأولئك القراء الباحثين عن طريقةٍ يدرسون فيها الإشكالات الأساسية دراسةً نسقية ومنضبطة على طريقةِ تقليد الفلسفة التحليلية -المهيمن على الدراسة الأكاديمية للتخصص الفلسفة في العالم الناطق بالإنجليزية- الذي يوفر العديد من المصادر العظيمة في البحث الفلسفي، سأقدم الفلسفة إليكم في سلسلة المقالات هذه لمنصة «معنى» عن طريق تجربة شخصية، مستخدمًا مصادر الفلسفة التحليلية. كما أن هدفي في هذه المقالات هو الانطلاق من المشاكل العادية التي لا مفر منها، والتي تجبرنا على مواجهة قضايا فلسفية أساسية.

العديد من الأسئلة التي نطرحها في حياتنا اليومية قد تكون نقاط انطلاق للتأمل الفلسفي: نريد أن نعرف كيف نختار مهنتنا، وهل ينبغي علينا أن نتزوج من أجل الحب أم من أجل الأمان الاقتصادي أم أنه لا ينبغي علينا أن نتزوج أصلًا، وهل نتناول حبة البروزاك أو غيرها من الأدوية المضادة للاكتئاب، وهل علينا التخلي عن الوظيفة أو الدراسة لكي نكرّس أنفسنا خدمةً للفقراء أم لا، وكيف ينبغي علينا أن ندير أسئلة السياسات العامة، وكيف نقيّم النظريات العلمية، وأي ضرب من ضروب الفنون والترفيه يستحق أن نوليه اهتمامنا، وهل يستحق الناس احترامنا أم لا… إلخ. إن هذه الأسئلة، وغيرها الكثير، تؤدي دورًا في اتخاذ قراراتنا العملية، كما أن لها جانبًا فلسفيًا محضًا. فكما أشرنا أعلاه، لا يوجد علم من العلوم يخبرك كيف تقيّم العلم نفسه، ولا يوجد خبير إنساني يختار عنك قيمك العليا. إذ تنطوي الفلسفة على تحدٍ لحل الأسئلة المتعلقة بالقيمة والحقيقة والجمال والواقع والمعنى في حياة الفرد، مستفيدًا من حكمة التراث، لكن من دون إعادة تلك الحكمة التراثية بلا تفكير وتمحيص.

عمليًا، عادةً لا تكون القرارات التي نتخذها واضحةً لنا وضوحًا تامًا. وأحيانًا لا تكون كذلك حتى في الأمور المباشرة البسيطة، مثل اتخاذ قرارات اقتصادية بسيطة وما شابه. إذ يمكننا أن نصل إلى قرارٍ صحيح واضح ندافع عنه بمصطلحات بسيطة، ولكن مع ذلك فإننا نتخذ أغلب قراراتنا بسبب التدافع الغامض بين معتقداتنا ورغباتنا. قد نسقط بأثر رجعي عملية تفكير واضحة وشفافة على اتخاذ قراراتنا، ولكن عادةً ما يكون في ذلك عقلنةً محضة أو مخاتلة للذات. إن هدفًا من أهداف التأمل الفلسفي هو أن يغدو اتخاذ قراراتنا العادية أوضح لنا من ذي قبل. فما يحضّ الفيلسوف على التفكير هو عبارة «اِعرف نفسك»، ومعرفة المرء لنفسه تتضمن تعلّم بعضَ المهارات وتحصيل عددًا من الفضائل. حيث يسمح لنا التمرّن الفلسفي أن نشرع في مساءلة عادات تفكيرنا. وعمليًا، فهذا من الآثار الجانبية التحررية والرائعة لدراسة الفلسفة. ولكن مساءلة عادات تفكير قديمة قد قبلتها مسبقًا لا يعني بالضرورة رفضها، بل لعلّك تجد نفسك في واقع الأمر قد قبلت ما لُقنت قبوله وما اعتقدته، ولكنك الآن حزتَ فهمًا متعمقًا لهذه التعاليم والمعتقدات، وغالبًا ما نفهم حكمة أجدادنا وغيرهم من كبار السن في عمر متقدم من حياتنا.

ستجد نفسك بعد دراسة الفلسفة وقد أصبحت أفطن مفهوميًا، ولا أدري علَّة ذلك تحديدًا، لكن الأشخاص الذين درسوا الفلسفة يتفوّقون، من حيث القدرة، في إدراك العلاقات بين المفاهيم التي قد يغفل عنها غيرهم. كما أنهم يدركون تعقيد المفاهيم التي قد تبدو بسيطة، ويشتغلون عليها طمعًا في فهمها، وأعني مفاهيم من قبيل الحب، والوعي، والحقيقة، والجمال، إذ قد تبدو هذه المفاهيم بسيطة لكنها -كما سنرى لاحقًا- مفاهيم غنية ومعقدة. وكلما طرحنا أسئلة على طبيعة مفاهيم مهمة وبسيطة في ظاهرها، ازددنا فهمًا ينير حياتنا ويحسّن من عملية اِتخاذ قراراتنا.

أحد الجوانب الصعبة في البحث الفلسفي هو أنه يضْطرّك إلى ملاحظةِ أنه ينبغي أن تصبح مفكرًا مسؤولًا، إذ إننا نعيش في عصرٍ تأريخي يعتبر الغباء والعناد فضيلتين في قطاع عريض من الثقافة الرائجة الغربية. إن الفلسفة في أفضل حالاتها تجعلك أكثر تواضعًا، فهي تجبرك على أن تدرك قصورنا ككائنات مفكرة، وذلك يتطلب شجاعةً أيضًا. إذ يصعب أن تمتلك شجاعة تغيير رأيك عندما تكون مخطئًا، فذلك أمر في غاية الصعوبة، خصوصًا في الثقافات الغربية حيث يُحتفى بالخيار الاستهلاكي ويُتحكم فيه، وإدراك الفرق بين الرأي والحقيقة وتجنّب قبول الادعاءات لمجرّد أنها لطيفةٌ وسارّة يُعدّ ذلك بالنسبة للعديد منا أمرًا صعبًا. فالبحث الفلسفي يتحداك بدلًا من أن يتملقك.

سأقدم الفلسفة إليكم في سلسلة المقالات هذه لمنصة «معنى» عَبر التعمّق في جوانب الحياة العادية التي تثير أسئلة فلسفية: أسئلة عن المعرفة، وأسئلة عن الواقع، وأخرى عن المعنى، أسئلة تنبثق على نحو طبيعي من جوانب حياتنا اليومية. وإني آمل أن تقتنعوا بأن البحث الفلسفي ليس أمرًا مُلحًّا ولا يمكن تفاديه فحسب، بل هو مُرضٍ ويضيء نفسك أيضًا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق