مقالات

الإيديولوجيا والمعنى: بين جيجك وبيترسون – إبراهيم الكلثم

 

ستقام الليلة المناظرة الفكرية المرتقبة بين الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك وأستاذ علم النفس الكندي جوردن بيترسون في تورونتو، وشهرة هذين المفكرين في الثقافة الرائجة جعلت هذه المناظرة حدثًا ثقافيًا هامًا في ساحة الفكر الغربي، إذْ يتمتعان بشعبية جماهيرية جارفة تُشابه -إن لم تجاوز أحيانًا- شهرة مغني البوب والروك؛ فالأول بدأ ينال اهتمامًا عالميًا متناميًا منذ آواخر الثمانينات مع كتاباته الغزيرة باللغة الإنجليزية وطريقة إلقاءه الحماسية والغريبة، بينما صعد نجم الثاني في عام 2016 حينما انتقد الحكومة الكندية نقدًا لاذعًا على قانون يحمي هوية المتحولين جنسيًا الجندرية ضد التمييز، وهو قانون -كما يراه بيترسون- يحد من حريّة التعبير حدًا يعزز من أجندة اليسار وتغوله في المجتمعات الغربية.

  1. محاولة فهم بيترسون

أذكرُ جملة علقت في رأسي حينما قرأت كتاب بيترسون الأول “خرائط المعنى” (1999)، يقول ما معناه بعدما ذكر أزمته الوجودية أثناء دراسته الجامعية : وكانت ثمة ليالٍ أعود فيها إلى البيت ويغوص ثقلي على الأريكة حتى أكاد أختفي من شدّة فقدان المعنى (ولكم هو أمر غريب بحق: أن يكون عدم وجود شيء أشد ثقلًا ووطأة من وجوده). إن ما يتحدث عنه بيترسون ليسَ إلا موت الإله في سياق المجتمعات الغربية، أي أزمة اهتزاز الأفق والأساس الأخلاقي والقيمي الذي تقوم عليها ثقافات الأديان الإبراهيمية في الغرب. وفي”خرائط المعنى” يقدم نظرته في مواجهة سؤال المعنى، وهي نظرة تستحق التقدير ولاشك؛ فهو يُقيم توازٍ ثلاثي بين علم النفس/الأحياء والتحليل النفسي اليونغي (نسبة إلى كارل يونغ) وبين ما يمكن تسميته تجوزًا الفلسفة الوجودية البراغماتية (نيتشه وهايدغر والبراغماتيون الأمريكان) وهذا المزيج غير المألوف وكثافة مادته وثقلها جعلت ردود الفعل تجاه الكتاب إبان صدوره مترددة بين مدح جِدته وغرابة تأليفه. ويأتي الكتاب من جيل عاصر الحرب الباردة والأنظمة الشمولية ورعب القنبلة الذرية التي قد تبيد البشرية عن بكرة أبيها، والهم الخفي في كتابه هذا هو دراسة أسباب ذوبان الفرد في الأيديولوجيات الشمولية. رؤية بيترسون لتلك الأنظمة بكل أنواعها هي أنها عبارة عن سياج المعنى وحاضنه في زمن فقدان الدين في المجتمعات الغريية، أي أن تلك الحركات السياسية في القرن العشرين قد أصبحت آنذاك أفق المعنى الجماعي في ظل فقدان المعنى القيمي الذي شكلته المسيحية، ولكنه مع ذلك هي حاضن مرعب وكارثي راح ضحيته الملايين في معسكرات الغولاغ السوفييتية ومعسكرات الإبادة النازية، ولا ينبغي -كما يرى بيترسون- أن تمرّ هذه الكوارث البشرية المروعة مرور الكرام دون بحث أسبابها وبواعثها. ومن هنا تأتي مهاجمته الدائمة للأيديولوجيا، وبغضه الشديد لهذه الكلمة، وحضه المستمر على إيجاد المعنى فرديًا وبعيدًا عن أي جماعة وحركة سياسية سواء كانت في اليسار أم اليمين.

يعرّف بيترسون نفسه بأنه “محافظ راديكالي”، فهو يؤكد على القيم المسيحية الغربية التقليدية -وإن كانت من زاوية مختلفة- ويصّر على أن التمييز الجندري الثنائي ما زال سائغًا ومبررًا، وأن قيم الرجولة التقليدية ملحة أكثر من أي وقت مضى، ويقف ضد احتجاجات الشباب الجامعي وولعهم السياسي بالماركسية وما بعد الحداثة؛ فهو يرى أن هذه الاهتمامات السياسية الجماعية ليست إلا حجابًا عن إيجاد حل حقيقي لأزمة المعنى، أي حل فردي بعيدًا عن هذه الحركات الجماعية. وهو يرى الماركسية وما بعد الحداثة مكملتين لبعضهما بعضا؛ فالماركسية هي مجال انخراط الشباب جماعيًا في احتجاجات سياسية لا فائدة مرجوة منها، بينما ما بعد الحداثة، عَبر تأكيدها على أنه لا يمكن تبرير أي تفسير لأمر ما بوصفه التفسير الأوحد والأصح، ترى بأن كل ما هنالك تأويلات متساوية في حظها من التسويغ والمعقولية، وعليه، لا يمكنك إقامة “خريطة للمعنى” إن جاز التعبير. هذا الموقف المحافظ الراديكالي يبدو مُتفهمًا إذا أخذنا في الحسبان أن بيترسون طبيب نفسي أيضًا، فعلى الأرجح بأنك لن تعالج مريضًا نفسيًا يشكوك الاكتئاب ويغوص في أريكته من فرط فقدان المعنى بالقول إن كل التأويلات متساوية المعقولية.

لكن شهرة بيترسون لم تأتِ من “خرائط المعنى”. لا يُمكن فهم شهرة بيترسون الكاسحة في العالم الناطق بالإنجليزية في السنوات الأخيرة دون الرجوع إلى سياق تصاعد الشعبوية في المجتمعات الغربية في العقد الماضي، هذا التصاعد الذي يأتي ضد المؤسسات القائمة وقوانينها مع تزايد أعداد المهاجرين وفرض القوانين التي تحمي الأقليات بكل أطيافها. إن موجة الغضب هذه نراها في أوضح صورها ضد ما يسمى باللباقة السياسية (political correctness)، حيث فُرضت حدود قانونية وعرفية لا ينبغي تجاوزها قولًا وعملًا، وهذا الِانزعاج نراه من نجوم صناعة هوليوود (فعلى سبيل المثال، نرى ريكي جرافيز وديف شابيل يبديان قلقهما من ثقافة اللباقة السياسية في عروضهما الكوميدية الأخيرة) وصولًا إلى هذا الغضب الشعبي من بقية الناس. في هذا السياق تحديدًا، في سياق اللباقة السياسية، وفي سياق بناء حمامات موحدة الجنس، وفي سياق تقييد ألفاظ الناس حماية للأقليات، ينبغي أن نفهم صعود نجم بيترسون، ونفهم تعليقاته المستفزة ضد الإسلام، ولباس النساء، والمتحولين جنسيًا.

  1. هل قلت إيديولوجيا، سيد بيترسون؟

إن بيترسون يقدم انتقاداته لخصومه باختزالهم اختزالًا فجًا وغريبًا، فكما يعرف أي شخص له اطلاع بسيط على الماركسية وما بعد الحداثة، ثمة اختلافات أساسية بين التوجهين الفكريين، وهي اختلافات تصل إلى حد التضارب والتناقض، أهمها أن الماركسية ما زلت تؤمن بغائية التاريخ، فهي تندرج ضمن ما يسمى بالسرديات الكبرى، بينما ما بعد الحداثة تقف ضد هذا تمامًا؛ فهي فلسفات فقدت الثقة بكل السرديات الكبرى وادعاءاتها، وهو موقف نابع من حساسيتها المفرطة من كل الخطابات “الجوهرانية” التي تقدم تفسيرًا غائيًا وشاملًا، سواء كان ذلك باسم التنوير أو الدين أو الماركسية. أضف إلى ذلك أن التوتر بين اليسار التقليدي وما بعد الحداثة موجود منذ ذيوع الفلسفات ما بعد الحداثية في البلدان الناطقة بالإنجليزية، ومرد هذا التوتر هو نقد اليساريين الحاد لتلكع ما بعد الحداثيين وانعزالهم عن النضال السياسي المباشر. ولعلّ هذا الاختزال أثر من الآثار اللاواعية من دراسته المتعمقة لخطابات الأنظمة الشمولية في القرن العشرين التي تفضّل هذا الاختزال في شيطنة الخصوم؛ فهو تشخيص رديء معرفيًا، لكنه مفيد تجييشيًا.

يذكر برنارد شيف الذي كان مسؤولًا عن قبول بيترسون في جامعة تورنتو أن من أكثر التعليقات الناقدة التي كانت يذكرها طلّاب بيترسون عليه هي أن هذا الأخير كان يلقي خلاصات الدراسات العلمية إلقاءَ الحقائق المسلم بها إن كانت في صالح رؤيته وأطروحاته الفكرية، وهذه مشكلة، خصوصًا وإن كانت في سياق الدرس العلمي الذي يقوم على روح الظن والتشكيك والبحث الدائم والمستمر. وفي سياق جداله حول علاقة العلم بالأخلاق في حواراته الأخيرة مع سام هاريس، يرفض بيترسون موقف هاريس الساذج الذي مفاده أن العلم قادرٌ على تزويدنا بإجابات عن معضلاتنا الأخلاقية دون مرجعية تتجاوز إطار العلم نفسه، فثمة حقائق ومعلومات علمية لا متناهية حولنا، والاختيار نفسه بين هذه الحقائق والمعلومات يتطلب سردية معينة. وهذا حق، ولكن انتقائية الاختيار هذه هي ما يطلق عليه في البحث الفلسفي “إيديولوجيا”، فهي تعني ضمن ما تعنيه اختيار مجموعة معينة من الحقائق والمعلومات وعزل مجموعة أخرى تماشيًا مع رؤيتك للوجود والعالم، وبهذا المعنى، فكلنا في الإيديولوجيا سواء، ومشكلة بيترسون هي أنه لا يرى تلك المشكلة، على الأقل، في الإطار الأعم لها سياسيًا. ولعلّ أهم ما يميّز خصمه الفكري في هذه المناظرة هو هذا الأمر تحديدًا: التأكيد على صعوبة قضية الإيديولوجيا في عصر يسمي نفسه عصر ما بعد الإيديولوجيا.

  1. ماذا تعني الشعوبية إذن؟

تذكر المنظّرة السياسية البلجيكية شانتال موف في كتابها الأخير عن الشعوبية بأن الشعوبية ليست أمرًا سيئًا في حد ذاته، إذ ينبغي فهم الاحتجاجات والمظاهرات التي تأتي تحت مظلة “الشعوبية اليمينية” المتصاعدة في الغرب في السنوات الأخيرة على أنها فشل السياسات اليسارية في تقديم بديل ناجح. ويبدو أن جيجك يتفق مع هذا التشخيص كما ذكر في كتبه الصحفية الأخيرة. كما يؤكد جيجك في أكثر من مناسبة أن ثقافة اللباقة السياسية أبعد ما تكون عن روح اليسار كما يحلو لبيترسون أن يقول، بل هي خلل بنيوي في السياسات الليبرالية الحديثة، وبشكل أدق، إشكالية حرية التعبير: فمن جهة، تريد حرية التعبير أن تكفل حق كل فرد في قول ما يريد، ومن جهة ثانية تريد حماية حرية الأفراد الذين قد يتعرضون لأذى من بعض هذه الأقوال.

  1. سلافوي بيترسون

قد يُرى أن هذا المحافظ الراديكالي وذلك الماركسي الراديكالي على أنهما طرفا النقيض من كل ناحية تقريبًا؛ فبيترسون متحدث كارزماتي يزن كلامه جيدًا ويحاول أن يجعل كل ما يقوله لا يخرج من ضمن المعمار النظري الذي شيده لنفسه جمعًا في رؤيته بين النظر والعمل، بينما ربما أنسب كلمة تصف طريقة إلقاء جيجك هي “فوضوي”؛ فهو يقفز من فكرة إلى أخرى ضاربًا في خلاطه الفكري نكتة عن لنين مع تأمل حول الفيزياء الكمومية وعبارة من لاكان مع مفهوم لهيجل. بيترسون  كاتب مقل لم ينشر إلى كتابين في ظرف عشرين عامًا، بينما كُتب جيجك تجاوز العشرين. وإن كان الاثنان سليلا التحليل النفسي الفرويدي، إلا أن نسبهما يختلف : فبيترسون يتبنى أدوات تحليل كارل يونغ و”لاوعيه الجمعي” التي تشدد على أهمية تقاليد الحضارات السالفة مما يجعلها أميل إلى الروح المحافظة، بينما جيجك لاكاني (نسبة إلى جاك لاكان) حتى الصميم ومتأثر بالفكر الفرنسي الراديكالي والتوجه الما بعد بنيوي عمومًا في النصف الثاني من القرن العشرين.

ولكن مع ذلك فإن التقاطة من مسافة بعيدة قد تبين بأن بين الاثنين مشتركات ربما يرفضان التأكيد عليها هما أنفسهما: فكلاهما يؤكدان -بمعنى ما- على أهمية الاستمرارية الثقافية لمقومات الحضارة الغربية؛ إذ إن جيجك يقرأ المسيحية على أنها في صميمها حركة ثورية تفجرت تغيرًا للأوضاع القائمة، وما المسيح إلا ثوري كغيره من الثوريين، وقد كتب جيجك في ذلك أكثر من كتاب يدافع فيه عن أهمية الإرث المسيحي، منها كتابه The Fragile Absolute. أما التأكيد على أهمية الإرث المسيحي فهي في حالة بيترسون أوضح وأجلى في أطروحاته، فهو يرى بأن الحضارة الغربية قد قامت على مثال شخص مصلوب، شخص يرمز إلى التضحية، إلى تحمل الآلام والأوجاع الوجودية في هذه الحياة، وقد قدم قبل قرابة العامين سلسلة عن الدلالة النفسية لقصص الكتاب المقدس. كما أنهما يعيان حالة شبه فقد ثقة الغربيين في أنفسهم، وقد ذهب جيجك أبعد من مجرد التأكيد على أهمية الإرث المسيحي عندما أكد على المركزية الأوروبية، وعلى أنها أمر حميد (وكان هذا هو السبب الرئيسي في هجوم اليسار على جيجك نفسه قبل ثلاثة أعوام). ومن المشتركات بين الاثنين أنهما يعيان تمامًا مشكلة ثقافة اللباقة السياسية، ويحاولان التذكير دائمًا بخطورة التساهل معها، وإن اختلفت أساليب التشخيص وطرقه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق