مقالات

موجز تاريخ سوسيولوجيا الجسد – حسني إبراهيم عبدالعظيم

 

الملاحظ أن الاهتمام السوسيولوجي بالجسد يعد أمراً حديثاً نسبياً، ففي الفكر الغربي لما يكن الجسد كموضوع معرفة سوسيولوجية يحظى بمكانة «الموضوع المحوري أو الأساسي» حتى حدود الستينات من القرن الماضي، بل على العكس من ذلك كان حضوره، لا يتجاوز مستوى الحضور المضمر الافتراضي، أو مستوى محور من ضمن المحاور المدروسة، أو كما يقول عالم الاجتماع الفرنسي «جون ميشيل بيرتلو» Jean M. Berthelot  كان الجسد مادة سوسيولوجية خافتة.

أما في الفكر العربي، فيذكر فريد الزاهي أنه من عقدين فقط من الزمن كان الباحث العربي ما يزال غارقًا ومستغرقًا في دراسات وأبحاث تقليدية تتصل بالمرأة والجنس، وتنحو في غالبها منحى إيديولوجيًا من غير أن تنسج لنا تاريخًا للجنس أو دراسات جهوية معمقة عن الخطاب حول المرأة في هذه المرحلة أو تلك.

وحين انبثقت الدراسات الأولى عن الجسد في الثقافة العربية من منظور أنثروبولوجي وفلسفي وسيكولوجي، ولو بشكل محتشم، كان ذلك أشبه بالتحول الثقافي، إذ كان ذلك في نظرنا دخولاً فعليًا في حداثة ثقافية تتكفل بشكل أكثر عمقًا بمجمل القضايا التي تخترق جسد المجتمعات العربية.

ولم تُحدث تلك المقاربات ما يشبه القطيعة فحسب مع الموضوعات التقليدية وإنما أيضا مع المنهجيات والمقاربات ذات الطابع التاريخي أو الوصفي المحض. ولا شك في أن ذلك يعود أساسًا إلى الطابع المتعدد لموضوع الجسد، فهو يتموقع بين عدة مباحث ومقاربات علمية بحتة واجتماعية وانسانية (من الطب إلى الأنثروبولوجيا، مرورا بالفلسفة وعلم النفس وغيرها)، من ناحية، وإلى ما يتطلبه من ناحية أخرى من أسئلة باعتبارها موضوعًا مركزيًا في الأخلاق والدين والمقدس… ولأن الجسد موضوع يطرح إشكالات كبرى في اليومي والواقعي والتشريعي فإنه قد ظل مكبوت الثقافة العربية حتى وقتٍ قريب.

والواقع أن هناك عوامل معقدة ومتراكمة أسهمت في غياب الجسد عن الوعي السوسيولوجي والاجتماعي بشكل عام، ربما ترتبط أولى هذه العوامل بذلك التقسيم التقليدي «التاريخي» بين العلوم البيولوجية والعلوم الاجتماعية، فذلك التقسيم كان بمثابة «عقبة» Obstacle كبيرة أمام مشروع تنظير الجسد في الحياة الاجتماعية.

وثمة عاملان أساسيان أسهماً في إقصاء الجسد عن علم الاجتماع الكلاسيكي، يتمثل العامل الأول في قبول العلوم الاجتماعية للإرث الديكارتي Cartesian Legacy المتعلق بذلك التقسيم الحادّ بين العقل والجسد، الذي ارتكز على فرضية جوهرية مفادها أنه لا يوجد تفاعل – أو على الأقل تفاعل ذوبال- بين العقل والجسد؛ ولذا فإن هذين الموضوعين ينبغي أن يُدرسا وفق نظامين علميين منفصلين ومتمايزين، فأصبح الجسد موضوعاً للعلوم الطبيعية –بما فيها الطب- بينما أصبح العقل مجالاً لاهتمام العلوم الاجتماعية والإنسانيات. أما العامل الثاني فهو انشغال علماء الاجتماع الكلاسيكيين –مثل فيبر وبارسونز- بالاهتمام بالفعل الاجتماعي والفاعلين الاجتماعيين واعتبار الجسد جزءاً من البيئة الفيزيقية، وبالتالي فهو يقع خارج دائرة التحليل السوسيولوجي.

كذلك انشغل علم الاجتماع في مرحلته التأسيسية بمفهوم البناء Structure والشروط اللازمة لاستقرار النظام العام والمحافظة عليه، والكشف عن العوامل المؤثرة في تغيره، وباعتبار الجسد جزءاً من الظواهر الطبيعية، فإنه موضوع غير اجتماعي، ومن ثم تم استبعاده من التحليل، ولم يكن ذلك وقفاً على علم الاجتماع فقط، وإنما كان شائعاً في معظم العلوم الاجتماعية.

  • الإرهاصات الأولى للتحليل السوسيولوجي للجسد:

أسهمت العوامل السابقة في غياب الجسد عن التحليل السوسيولوجي في مرحلته الكلاسيكية بصورة صريحة ومباشرة، غير أن هذا لا ينفي أنه يمكن رصد إرهاصات جنينية لتحول الجسد إلى موضوع تأمل سوسيولوجي مع بدايات العلوم الاجتماعية في القرن التاسع عشر، هذا الذي وصفه «جون ميشيل برتلو» بأنه قرن الاهتمام بجسد العمال وما يعيشونه في ظل ظروف العمل القاسية من استنزاف مبكر وأعطاب وتشوهات.

وقد كانت هذه الأعطاب والتشوهات موضوع وصف دقيق ومفصل من جانب «فيليرمي» Villerme في بحثه المتميز عن الحالة الجسدية والنفسية المزرية للعمال المشتغلين في مصانع القطن والصوف والحرير في فرنسا، وكذلك «بيري» Buret في حديثه عن الطبقة العاملة في إنجلترا وفرنسا، كما ً قدم «ماركس وإنجلز» وصفاً وتحليلاً للوضعية الجسدية للعمال.

كما عرف الفكر الاجتماعي خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر نقاشاً مهماً حول السكان وتنظيم الولادات، ولفت الانتباه إلى أن قضايا الصحة والنسل والجنس مسئولية اجتماعية وليست مسائل تهم الفرد فقط، والملاحظ أنه على الرغم من أن الجسد ضمن الدراسات المشار إليها آنفاً قد أصبح ضمنياً معطى ثقافياً، إلا أن الاهتمام به لم يكن قد وصل إلى مرحلة يشكل فيها موضوعاً لدراسة مستقلة، كما لم يتأسس بعد توجه لتنظير هذا الجانب أو ذاك من التجربة الجسدية، كان الاهتمام بالجسد يشكل فقط جزءاً من اهتمامات متعددة مرتبطة بواقع العامل.

ومن أهم الجهود التي لفتت الاهتمام بالجسد خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر الأفكار الفلسفية التي طرحها «فردريك نيتشه» F. Nietzsche (1844- 1900). لقد أولت فلسفة نيتشه، الجسد اهتماماً خاصاً، ومجدت قوته، وأعلت من قيمة إرادة القوة وإرادة السيادة، وشددت على تحرير الجسد، وتلبية رغباته الطبيعية.

وقد جاء اهتمام «نيتشه» بالجسد في فترة مبكرة من حياته، ففي أوائل عام 1872 وهو في الثامنة والعشرين من عمره أصدر أول كتاب له وهو «مولد المأساة من روح الموسيقى» تحدث فيه عن الإلهين الذين كانا موضع تقديس وعبادة اليونانيين، وهما: (ديونيسوس) Dionysus و«أبوللو» Apollo الأول هو إله الخمر والمرح والبهجة والفتنة والعواطف والغريزة والمخاطرة، والثاني هو إله السلام والراحة والسكون والتأمل العقلي والنظام المنطقي، والهدوء الفكري، وقد اتحد هذان المثالان الأعليان فأبدعا أسمى آيات الفن اليوناني.

لقد أدرك «نيتشه» أنه من خلال ذلك التوافق بين المبدأين اللذين يمثلهما «ديونيسوس» و«أبوللو» يمكن أن يظهر المجتمع السليم Healthy society الذي تتصالح فيه الرغبة الطبيعية للأفراد مع نشاطهم العقلي، وقد رأى «نيتشه» ذلك التصالح بشكل محدد في النشاط الجمالي، وخاصة الفن، إن الحياة ينبغي أن تُعاش كعمل فني؛ ولهذا فقد انجذب لموسيقى «فاجنر» Wagner. إن الإخفاق في إنتاج توافق سليم لهذين المبدأين في حياة الأفراد يؤدي إلى حدوث المرض والجنون، لقد اعتقد «نيتشه» أن الأمراض العصبية –التي تحدث نتيجة ذلك التناقض بين الرغبة الجسدية والنشاط العقلي- هي أمر متعلق بالإنسان فقط؛ لأنه قد اغترب عن بيئته الطبيعية الفطرية.

يقول «نيتشه» في كتابه (هكذا تكلم  زرادشت  Thus spoke Zarathustra) الصادر عام 1883 مخاطباً المستهزئين بالجسد، أي الذين يحطون من قدره: «أما أنتم يا أخوتي، فأصغوا إلى صوت الجسد؛ لأنه يخاطبكم بصوت أنقى وأخلص من تلك الأصوات التي تبشركم بالموت، إن الجسد السليم يتكلم بكل إخلاص وبكل صفاء، فهو كالدعامة المربعة من الرأس حتى القدم .. لأقولن للمستهزئين بالجسد كلمتي فيهم، إن واجبهم ألا يغيروا طرائق تعاليمهم، ولكن عليهم أيضاً ألا يهملوا أجسادهم حتى لا يستولى على ألسنتهم الخرس».

ومع ظهور مدرسة التحليل النفسي على يد «سيجموند فرويد» (1856- 1939) بدأ حديث عن لغة الجسد، حيث تحول الجسد إلى لغة تعكس بشكل غير مباشر العلاقات الفردية والاجتماعية، كما تعكس الرغبات والاحتياجات بطريقة رمزية. لقد حقق «فرويد» قطيعة معرفية أخرجت الاهتمام بالجسد من مجال اللغة «الخشبية» المتصلبة لوضعيي القرن التاسع عشر، ورغم أنه لم يكن عالم اجتماع، إلا أنه أدخل الاهتمام بالجسد كمادة تصنعها وتنتجها العلاقات الاجتماعية، ويساهم في تشكيلها التاريخ الفردي للفاعل الاجتماعي إلى مجال المفكر فيه، فمنذ كتاب «دراسات حول الهستريا» الذي كتبه بالاشتراك مع «بروير» Breuer في عام 1895 وضعت ضمنياً الأسس الأولى لسوسيولوجيا تسمح بنظرة مغايرة للجسد، أو ما يسمى الآن «سوسيولوجيا الجسد».

ففي كتابات «فرويد» ثمة تأكيد جديد على النقش الشخصي Personal inscription على الجسد، فهو يرى أن صورة الجسد Body image –خاصة الجسد الأنثوي الشاب- تبدو هشة Soft ضعيفة الإرادة، فالجسد عرضة لتأثيرات خارجية معقدة، تترك عليه أثراً فيزيقيا طويل المدى Prolonged Trace فالحياة المعاصرة تؤثر على الجسد بصورة كلية، وتسقطه في الهستيريا … إن صورة الجسد في عالم الحداثة أضحت بشكل عام أكثر هستيرية، نتيجة تعرض الجسد لتأثيرات نمطية مرتبطة بالأحداث الخارجية والطارئة.

  • بدايات القرن العشرين: تبلور سوسيولوجيا متناثرة للجسد:

مع بدايات القرن العشرين تتبلور «سوسيولوجيا متناثرة» للجسد –حسب تعبير «ديفيد لوبرتون» وذلك من خلال مجموعة دراسات متفرقة تنطلق من افتراض أساس هو أن الإنسان يصنع وينتج خصائص جسده اجتماعياً من خلال اندماجه مع الآخرين، وانخراطه في مجال الرمزي.

من أهم دراسات هذه الفترة ما كتبه «جورج سيمل» (1858- 1918) الذي كان أول من عرف كيف يعطي وصفاً ثميناً للمكانة البارزة للجسد في الحياة اليومية، ففي بحثه حول علم اجتماع الحواس Sociology of sense (1911) يلاحظ أن الإدراكات الحسية – بما لها من سمات- تشكل أساس الحياة الاجتماعية، ويمتزج الإدراك الحسي للعالم بنزعة عاطفية، ويحلل «سيمل» النظرة Glance تحليلاً عميقاً، إنه يرى أن التعاطف أو النفور، الثقة أو عدم الثقة هي أمور تسمح ظاهرياً بأن تقرأ من خلال النظرة، يقول سيمل «من خلال عينيه أستطيع أن أنتزع من ذلك الذي ينظر إليّ شيئاً قليلاً من إمكانية اكتشافي». إن النظرة بالفعل تكتسح وجه الآخر، وتجبره على عقد اتفاق في آن واحد حول الألفة وحول المتعة التي يحصل عليها من التبادل.

لقد استطاع «سيمل» أن يكتشف الأهمية الجمالية للوجه، إنه يؤكد على أن الوحدة والتناسق في ملامح الوجه هي مفتاح جمالياته، وأن أي تشويه يمكن أن يدمر ذلك التناسق الرقيق. الوجه هو رمز للروحانية ومؤشر على الشخصية، وفي المجتمعات الحديثة، تنامي ذلك التأكيد على الوجه وأهميته.

ويستطرد «سيمل» في تحليلاته فيؤكد أن الإدراك من خلال النظرة يجعل من وجه الآخر العنصر الأساسي في هويته، والجذر الأكثر دلالة لحضوره، إن اللقاء بين الأشخاص يبدأ دائماً بتقييم الوجه، فالفترة الأولى هي الفترة التي تلتقي فيها النظرات، يجري فيها تقييم متبادل، وبهذا الاتصال الأول يتحدد غالباً مسار التبادل ونهايته، إن النظرة هي بالفعل اتصال؛ لأنها تشبه اللمسة، إنها نوع من التلامس البصري المتبادل، إن «سيمل» يلاحظ «أن العين تعطينا مؤشراً على كينونة الآخر، راسب ماضيه، من خلال الشكل المادي لسماته، إننا نرى –إذا جاز التعبير- تعاقب أعمال حياته وقد بعثت أمامنا في نفس الوقت».

ويلاحظ «سيمل» من جانب آخر مدى تأثير الإطار الاجتماعي على التوجهات الحسية، فالبنى الحضرية تشجع على استعمال ثابت للنظرة من خلال المشاهد المتميزة للمدينة (واجهات المحال – تشابك خطوط سير السيارات والمشاة – الاختلاف في أشكال وألوان الأرصفة .. إلخ) أما السمع واللمس والشم فهي حواس غير سعيدة في المدينة؛ لأنها تجابه شتى أنواع الإزعاج، «إن الحياة الاجتماعية في المدينة تحث على نمو متزايد للنظرة، وعلى تعليق أو استعمال محدود للحواس الأخرى، التي لا يجد الإنسان في النهاية الإمكانية في استعمالها بشكل كامل إلا داخل منزله».

لقد كان «سيمل» ملاحظاً بارعاً للتفاصيل الدقيقة، فهو يصف بدقة ما يكمن خلف الكلمات المنطوقة في مواقف التفاعل الاجتماعي، إنه يتناول ما يمكن أن نسميه «التفاعل الجسدي» Bodily interaction وهي عملية اتصالية بالغة التأثير تتم من خلال الحواس. لقد أسهم «سيمل بملاحظاته تلك في تطوير سوسيولوجيا الاتصال بقدر إسهامه في تطوير سوسيولوجيا الجسد».

ومن الإسهامات الهامة في تلك المرحلة البحث الذي كتبه «روبرت هرتز» R. Hertz (1881- 1915) في عام 1909 بعنوان «تفوق اليد اليمنى» Preeminence of the right hand الذي أثر تأثيراً بالغاً في تطور النظريات الأنثروبولوجية المتعلقة بالتقابل الثنائي، خاصة ذلك التقابل بين اليمين واليسار. لقد أوضح «هرتز» الذي كان أحد تلاميذ دوركايم أن التفضيل الفسيولوجي للجانب الأيمن من الجسد مؤسس ثقافياً على التصنيف الأخلاقي للخير والشر، بحيث يصبح الجانب الأيمن رمزاً مركزياً للقيم الإنسانية الايجابية.

لقد أوضح «هرتز» أن الميل الفسيولوجي نحو تفوق اليد اليمنى هو فقط «إدعاء» Pretend لغرض التصنيف، وفقاً لوجهة نظره، يعد تفوق اليد اليمنى نظاماً اجتماعيًا أو بتعبير «دوركايم» ظاهرة اجتماعية، فاستخدام اليد اليمنى يلاقي جزاءً ايجابياً من المجتمع، والانحراف عن اليمين غالباً ما يلاقي عقاباً اجتماعياً.

ويرى «هرتز» أن التقابل بين اليمين واليسار هو تعبير جوهري عن الثنائية الدينية المتعلقة بالمقدس والدنس، وهي التي أثرت في تشكيل رؤية الجماعات الاجتماعية للجسد، فاليد اليمنى تمثل الجانب المقدس، إنها تمثل قيم الذكورة والحياة والقوة والشجاعة، بينما تمثل اليد اليسرى الشر، الموت، الأنوثة، تشير اليد اليمنى للتفاؤل بينما تجسد اليد اليسرى فكرة التشاؤم. وفي المجتمعات المعاصرة ما تزال توجد هذه التقسيمات، يرتبط اليمين بالجدارة، والمهارة والصواب، والجمال … إن الجانب الأيمن يمثل علواً أخلاقياً كونياً، لقد صعد المسيح إلى السماء ليجلس على يمين الرب، لأن الجانب الأيسر ملئ بالشياطين والقوى الشريرة. ويخلص «هرتز» من تحليله أن ذلك التباين بين جانبي الجسد هو حالة خاصة وأنه نتيجة لثنائية متوارثة من الفكر البدائي.

وتمثل كتابات «جورج هربرت ميد» (1863- 1931) إحدى الإرهاصات المبكرة في سوسيولوجيا الجسد، ففي تحليله للسلوك الاجتماعي وتطور الذات، يرى أن الإيماءات Gestures تمثل أمراً مهماً في تشكيل الذات اجتماعياً، فالوجه واليد كلاهما أساسيان في عملية تبادل الإيماءات، فوفقاً له، يتوازى الكلام مع اليد في تطور الكائن الإنساني اجتماعياً، وأوضح «ميد» في كتابه «العقل والذات والمجتمع» Mind, self and society الذي نشر  بعد وفاته في عام 1934 أن اليد أداة مهمة تلعب دوراً رئيسياً في التفكير، إنها سمة جوهرية للعقلانية الأداتية Instrumental rationality وتؤدي دوراً مهماً في القدرة الإنسانية على التعاطف، وتخيل أداء الدور، ومن ثم في تأسيس وتطور السلوك الاجتماعي، والواقع أن مناقشة «ميد» لأهمية اليد في علاقتها بالجهاز العصبي المركزي والتفكير الإبداعي قد تم إهمالها في الدراسات التالية للتفاعليين الرمزيين رغم أهميتها.

وقدم «مارسيل موس» (1872- 1950) M. Mauss إسهاماً مهماً في اتجاه تطوير سوسيولوجيا الجسد يتمثل في دراسته «تقنيات الجسد» Techniques of the body التي قدمت كمحاضرة في اجتماع جمعية علم النفس في باريس في عام 1934 ثم نشرت في مجلة علم النفس والباثولوجيا في عام 1935، وظهرت ترجمتها الإنجليزية في عام 1973، وقد أوضح «موس» في هذه الدراسة الموجزة التي لم تتعد تسع عشرة صفحة كيف يؤثر المجتمع على الممارسات الجسدية. (Lyon 1997: 85)

لقد بين «موس» أن الجوانب الأساسية للأنشطة الجسدية كالمشي والوقوف والجلوس هي «بني اجتماعية» فمع أن هذه الأنشطة تستلزم أساساً عضوياً، إلا أن إتقان هذه القدرات يستلزم سياقاً ثقافياً، إن آليات الجسد أو تقنياته رغم اعتمادها على أساس عضوي عام، إلا أنها في ذات الوقت تمثل تطورات ثقافية وشخصية.

والحقيقة أن «موس» قد قدم من خلال ملاحظاته للأنشطة الجسدية المختلفة فكرة الطبيعة الاجتماعية للهابيتوس Habitus فالهابيتوس يعني في فكر «موس» القدرة البدنية أو العقلية المكتسبة (**)، ويؤكد «موس» على أهمية التربية والتنشئة الاجتماعية كما يؤكد كذلك على أهمية التقليد في تشكيل الأنشطة الجسدية. ويرى أن تقنيات الجسد تتباين وفقاً للعوامل المجتمعية كالتعليم والملكية والموضة والنفوذ، كما أنها تتباين على المستوى التاريخي.

ولقد تزامن مع دراســة «موس» ظهور كتاب هام ألفه «بول شيلدر» P. Schilder (1886- 1940) بعنوان «صورة ومظهر الجسد الإنساني» The image and appearance of the human body عام 1935 وردت فيه صراحة عبارة «سوسيولوجيا الجسد» فقد قسم كتابه إلى ثلاثة أجزاء، الأول عنوانه الأساس الفسيولوجي لصورة الجسد، الثاني البنية الشهوانية Libidinous structure، والثالث حمل عنوان سوسيولوجيا صورة الجسد Sociology of the body image وقد حاول «شيلدر» في ذلك الجزء الأخير أن يوضح السمة الاجتماعية لصورة الجسد، إذ أكد على أن صورة الجسد هي صورة اجتماعية بالضرورة، وإن كل جوانب صورة الجسد تتشكل وتتطور من خلال العلاقات الاجتماعية، كتب شيلدر «صورة الجسد هي مبدأ اجتماعي، إن صورة أجسادنا ليست منفصلة على الإطلاق عن صورة أجساد الآخرين، ولكنها مقترنة بها دائماً».

والحقيقة أن «شيلدر» قد قطع شوطاً طويلاً في تكامل الفهم السيكولوجي والسوسيولوجي والثقافي لصورة الجسد كجانب جوهري للشخصية والتفاعل الاجتماعي، يقول «شيلدر»: «لا توجد صورة جسد بدون شخصية، غير أن التطور الكامل للشخصية وقيمها تكون ممكنة فقط من خلال الجسد وصورة الجسد». ويؤكد «شيلدر» من جانب آخر على ذلك التكامل بين الجسد الموضوعي «العضوي» والإحساس «الذاتي» بالجسد، يقول شيلدر: «لا ينبغي أن نتعامل مع الجسد الموضوعي ككيان منفصل عن الإحساس الذاتي بالجسد، توجد فقط وحدة واحدة: إنها الجسد الحاضر دائماً في خبراتنا وفي إحساسنا».

وتمثل فلسفة «ميرلو-بونتي» M. Merleau-Ponty (1908- 1961) الفينومينولوجية أهمية خاصة في تطور علم اجتماع الجسد، وذلك من خلال كتابيه «فينومينولوجيا الإدراك» The phenomenology of perception الصادر في عام 1942 و«بنية السلوك» The structure of behavior الذي صدر في عام 1945(*).

وحاول «ميرلو- بونتي» الذي تأثر بشكل ما ببعض مفاهيم «بول شيلدر» أن يطور تصوراً مغايراً للجسد يتجاوز ثنائية العقل والجسد، ففي إطار محاولته فهم الإدراك الإنساني، يعتقد أنه لا يمكن الحديث عن الإدراك الإنساني للعالم دون نظرية في «التجسيد» Embodiment باعتباره منظوراً تتم الملاحظة من خلاله. إن إدراكنا لعالم الحياة اليومية يعتمد على الجسد النشط Lived body؛ لأننا نتعرف على الأشياء بداءة من خلال الحواس، وحتى عملياتنا الإدراكية العليا لا يمكن أن تتم بمعزل عن بنيتنا الجسدية.

الجسد –وفقاً لميرلو بونتي- هو نقطة الصفر Zero Point ومركز عالمنا، إنه عضو الحس الذي نقبض من خلاله على العالم، وهو أيضاً عضو الإرادة الذي نسلك من خلاله في العالم، وهو الذي يرتبط بالأنا ارتباطاً حميماً، ضرورياً وربما غامضاً.

إن مساهمة «ميرلو-  بونتي» في فهم الجسد كانت قد وصفته بأنه شيئاً معيشاً، وليس سجناً تسكنه النفس كما يرى أفلاطون، أو أنه وحدة وظيفية منسجمة كما يرى أرسطو، أو أنه آله يتم التحكم فيها من خلال محركات داخلية كما يعتقد ديكارت، بل إنه يعاش من خلال توتر قصدي، ويميز «هو سرل» بين الجسد المادي والجسد الحي المتعالي ظاهراتياً، ولكن «ميرلو-بونتي» قد فهم الجسد الإنساني المادي كله بوصفه معيشاً سلفاً بشكل تام، ومتجسداً ومعبراً وإدراكياً وحراً، وأنه شيء مرئي «يرى» أو هو «فعل رؤية» يجعل من اللامرئي مرئياً من خلال «إدراكحسي».

وثمة دراسة لافتة أجراها «إرنست كانتروفيتش» E. Kantorovich عام 1957 عنوانها «جسدا الملك» The king’s two bodies قدم فيها تحليلاً نابهاً للتطور التاريخي للسيادة السياسية من خلال السمات الرمزية للجسد. يقر «كانتروفيتش» أنه على الرغم من أن النظام الملكي يقوم أساساً على الجسد المادي للملك، إلا انه مع تطور النظرية السياسية ومؤسسة القوة ظهر انفصال بين الجسد المادي للملك وجسده الرمزي، إذ جاء الجسد الرمزي للملك أخيراً ليمثل القوة المسيطرة المجردة، ولهذا كان يعتقد أن للملك جسداً مادياً فانياً، وجسداً رمزياً مقدساً. إن ذلك الجسد الرمزي للملك هو الذي يضمن استمرارية سيادة الدولة على الرغم من الموت الدوري للملوك؛ ولهذا نجد من الشائع في لحظة موت الملك أن ينادي أحد أفراد الحاشية: «لقد مات الملك، ليحيا حياة مديدة»، ولأن رمزية جسد الملك هي أمر هام لاستمرارية ســيادة الدولة، فإن الاعتداء على جســـد الملك يعد اعتداءً على الوطن ذاته..

يتضح مما سبق أن ثمة جهودا فكرية قد بذلت على مدار قرن تقريباً من توجهات نظرية شتى، وأن نظرة متأنية على تلك الجهود تكشف عن مدى أهميتها في لفت الانتباه نحو قضية الجسد، حيث قدمت تحليلات عميقة ومتنوعة للعديد من القضايا المرتبطة بالجسد، وكشفت عن الأبعاد الاجتماعية والثقافية، والفلسفية له، وساهمت بصورة غير مباشرة في إدخال الجسد إلى دائرة الوعي السوسيولوجي، وأنتجت تراكماً فكرياً مهد التربة لتأسيس سـوسـيولوجيا الجسـد. بيد أن هذه الدراسات ظلت –رغم أهميتها النظرية والمنهجية- مجرد جهود فردية متناثرة لا يوجد رابط فكري يجمعها، ولا تستند إلى إطار نظري متكامل يجمع شتاتها في نسق علمي منظم، بحيث تؤسس نظاما علميا سوسيولوجيا متعلقا بالجسد.

  • ستينات القرن العشرين: تدشين سوسيولوجيا الجسد

غير أنه مع بدايات الستينات من القرن الماضي بدأت ملامح علم اجتماع الجسد في التبلور، وذلك من خلال مجموعة من الدراسات استخدمت الجسد كأداة كشف وتحليل، تتعامل معه كنافذة ينظر من خلالها للمؤسسات والبنى والعلاقات الاجتماعية، وتُقرأ المخيالات والتمثلات الجماعية، وبالتالي وجود اتجاه واضح لتدشين سوسيولوجيا الجسد كأحد فروع علم الاجتماع.

من أهم دراسات هذه المرحلة، أعمال «إرفنج جوفمان» (1922- 1982)، و«ماري دوجلاس» (1921- 2007)، التي شغلت حقبة الستينات، (وأيضاً أعمال ميرلو- بونتي التي ترجمت في تلك الفترة) ثم إسهامات «ميشيل فوكو» التي امتدت حتى منتصف الثمانينات تقريباً (توفي فوكو في يونيو 1984)، و«بيير بورديو» التي امتدت حتى بداية القرن الحادي والعشرين (رحل بورديو عن عالمنا في يناير 2002).

يرى (تيرنر) أن جوفمان Goffman يعد واحداً من رواد سوسيولوجيا الجسد، فهو أحد القلائل في نطاق علم الاجتماع الذي أخذ مسألة الطبيعة الاجتماعية للجسد مأخذ الجد في وقت مبكر. فمن خلال دراسته حول عرض الذات في الحياة اليومية The presentation of self in everyday life 1962  طرح فكرة أن الحياة الاجتماعية تعرض –جزئياً على الأقل – من خلال الجسد، فعلى سبيل المثال، إن الإحساس بالارتباك يرتبط دائماً بالتغير في لون الوجه، وبمعنى أوسع، إن فكرتنا الاجتماعية حول اليسر أو الراحة يتم التعبير عنها من خلال إيماءات جسدية متنوعة يمكن قراءتها كشكل من اللغة.

وقدمت «ماري دوجلاس» M. Douglas فهماً مفصلياً مهماً لقضية الجسد «كنسق رمزي» وذلك من خلال كتابيها «الطهارة والخطر» عام 1966 Purity and danger والرموز الطبيعية Natural symbols عام 1973، ترى «دوجلاس» أن الجسد هو تمثيل مجازي Metaphor للمجتمع ككل، ويعني ذلك تبعاً أن المرض في الجسد يناظر رمزياً الاضطراب في المجتمع، واتزان الجسد واستقراره مؤشر على التنظيم الاجتماعي وسلامة العلاقات الاجتماعية، إن انشغالنا بالمخاطرة واللايقين في العلاقات الاجتماعية يمكن أن يفهم من خلال نظريات النظام الجسدي. إن مفاهيم الطهارة والنظام، النجاسة، والقداسة لا توجد في جوهر الظواهر أو الممارسات، وإنما في علاقتها بإدراكنا لواقعنا الاجتماعي. إن الأمر «الدنس» إذاً هو اضطراب أو خلل في العلاقات التصنيفية. والواقع أن أفكار «دوجلاس» لم تكن مؤثرة فقط في الأنثروبولوجيا، وإنما أيضاً كانت مؤثرة في علم الاجتماع، حيث تم تبنيها وتطويرها بطرق مختلفة.

أما «ميشيل فوكو» (1926-1984) أحد مؤسسي سوسيولوجيا الجسد، وربما المؤسس الأهم لذلك الفرع المعرفي الهام،  فقد أعاد الجسد مرة أخرى إلى قلب علم الاجتماع Brought the body back into sociology بعد أن أطاح به «ديكارت» منذ القرن السابع عشر خارج دائرة اهتمام العلوم الإنسانية والفلسفة.

وطور بيير بورديو بشكل ضمني سوسيولوجيا الجسد كجزء من انشغاله العام بنظرية الممارسة، وكشف في كتاباته المتعددة عن التمثيل الرمزي Symbolic representation للجسد، وعن أهمية التذوق Taste والترتيبات الجسدية الأخرى كعناصر مهمة في رأس المال الثقافي، وتناول كذلك الجسد باعتباره حاملاً ومؤشراً على التمايزات الطبقية

على الرغم من أن انشغاله بالجسد لم يكن مباشراً، إلا أن سوسيولوجيا بورديو تمثل نموذجاً للدراسات التي يحتل فيها الجسد مساحة مهمة، وخاصة منذ أبحاثه الإثنوجرافية المبكرة في منطقة القبائل بالجزائر الحاضرة في أهم مؤلفاته.

 


 

المراجع :

  1. جواد الزيدي (2005) فعل الجسد: من سجن الروح إلى نظرية الاتصال، جريدة الاتحاد ، أبو ظبي، 14 – 6 – 2005. .
  2. ديفيد لوبروتون (1997) انثروبولوجيا الجســــد والحداثة، ترجمة محمد عرب صاصيلا، المؤسســة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ،بيروت
  3. زينب المعادي (2004) الجســد الأنثوي وحلم التنمية: قراءة في التصـــــــورات عن الجســد بمنطقة الشاوية، غير مبين دار النشر.
  4. فردريك نيتشه (د.ت) هكذا تكلم زرادشـــــت، ترجمــــة فليكس فارس ،دار القلم ،بيروت .
  5. فريد الزاهي (2019) الجسد أفقًا للمعرفة: مقدمات للبحث والسؤال، منصة معنى الثقافية ، 19 مارس 2019. https://manaa.net
  6. Ferguson ,H. (1997)Me and my shadows :on the accumulation of body – image in western society ,Part2,the corporeal forms of   modernity ,Body & society , Vol.3 , No.4.
  7. Hughes ,B. (1996) Nietzsche : philosophizing with the body , Body & society , Vol.2 ,No. 3.
  8. Loenhoff, J. (1997) The negation of the body: A problem of Communication theory, Body & Society , Vol.3 , No.2.
  9. Lyon , M. (1997) The material body , Social process and emotion : Techniques of the body revisited , Body & Society, Vol.3 , No.1.
  10. Turnball , N. (2005) Crossing Nietzsche, Theory, Culture & Society,Vol.22,No.3.
  11. Turner, B.(1992) Regulating bodies :Essays in medical sociology, Routledge, London and New York.

(**) أصبح الهابيتوس فيما بعد مفهوماً محورياً في المشروع النظري لبيير بورديو (1930- 2002) ويعرّفه «برديو»: بأنه بنية أو مجموعة من البنى مستدمجة داخل الفرد مشتقة من العالم الخارجي تحدد كيف يتصرف الفرد ويتفاعل مع العالم المحيط به.

(*) لم تترجم أعمال «ميرلو-بونتي» إلى اللغة الإنجليزية إلا بعد وفاته في عام 1961، حيث ترجم كتاب «فينومينولوجيا الإدراك» في عام 1962، وترجم كتاب «بنية السلوك» في عام 1965.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق