مراجعات

«سأمنحك الآن أشياء بيضاء»: مراجعة الكتاب الأبيض لـ هان كانغ

أوسكار فارلي - ترجمة: رؤى الحربي

« لا بدّ من أن يتفق أي شخص متذوق للعمارة التقليدية بإتقانِ صناعة المراحيض اليابانية، ولكن مهما كانت مزاياها فمَهمة إبقاؤها نظيفة في منزلٍ عادي ليست سهلة، على خلاف مكانٍ كالمعبد، فالمبنى كبير والزوار قليلون وجميعهم يساعدون في التنظيف. [… ولكن هنا أيضًا يتبين بأن تركيب -مراحيض القرفصاء- مثل المرافق الصحية الحديثة، صحية وفعالة أكثر، وإن كان ذلك على حساب تدمير كل تقارب مع «الذوق الرفيع» و«جمال الطبيعة». فعندما يشعّ الضوء من تلك الجدران الأربعة بالكاد يصل المرء لشعور التمتع بـ «اللذة الفيسيولوجية» لسيسكي. لا يوجد إنكار للنظافة فكل ركنٍ وزاوية بيضاء ناصعة، ولكن ما تزال ثمة حاجة لتذكيرنا بالإشكالية المتعقلة بأجسادنا، فلو أن امرأةً جميلة بغض النظر عن مدى جمال بشرتها، أظهرت أردافها العارية وقدميها أمام الآخرين، ستعتبر غير محتشمة، وأن تسليط إضاءة شديدة على المرحاض فعلٌ أرعن ومبتذل جدًا. إن نظافة ما يمكن رؤيته يستدعي الأفكار الواضحة حول ما لا يمكن رؤيته، وفي بعض الأحيان من الأفضل أن يترك الفرق بين النظيف والمتسخ مجهول ومحجوب في ضباب قاتم.»

ين-تشيرو تنزكاِ، «في مديح الظلال»

 

أُشيد بـ«هان كانغ» في كوريا الجنوبية منذ التسعينات، ولكنها اشتهرت في الغرب في السنوات الماضية الأخيرة فقط عبر ترجمة «ديبورا سميث» لرواية النباتية، وهي حكاية مربكة لامرأةٍ ترغب في أن تتحول إلى نبتة، وقد فازت الرواية بجائزة «المان بوكر» الدولية، وكانت أول كورية تترشح للجائزة. روى كتابها المترجم الآخر أيضًا «أفعال البشر» انتفاضة «غوانغجو»، التي ذبح فيها مئات المواطنين الذين تظاهروا ضد حكومة «تشون دواهوان» الجديدة. «الكتاب الأبيض» هو آخر أعمالها، إذ كتبته أثناء إقامتها في بولندا، وروجت دار نشر «بوتوبيللو» للكتاب بأنه كتابها “الأنجح” و”والأشد تجريبيّة” و”كتاب لا مثيل له”. كما لو أن «كانغ» أو «بورتوبيللو» تتعمدان تنفير أولئك الذين لا يرونها إلا تلك الفائزة بالبوكر لا غير.

 

«كان البياضُ واللمعان صناعيّين وباردين في آن، كشعورٍ داخلي باللانهائية، وإنتاج ضخم عريق. وفي نفس الوقت ساحرَين وفاتنين، كرقعةٍ من الثلجِ الساقط لتوه. الدفء والبرودة، العاطفة والجمود، الرومانتيكية والصناعية: كيف يمكن لألبوم، لمنتج، لتصميم حل، لقطعة معبأة، لعمل فني، أن يبدو «فارغًا» بجلاء، وفي ذات الوقت عميقًا جدًا وحاضرًا وفوريًا ومثيرًا؟ […]

إذا كان «البياض» في الألبوم الأبيض يخلق إحساسًا بالبرودة الصناعية، ببريق فائق وجمالية حديثة، فعند استشعارنا ذلك نمارس جهدًا استثنائيًا، بصريًا وإدراكيًا، هائلًا: المضيف المثالي من حيث مستوى الصورة والسطح لاستقبال بصمة منقوشة لاسم المجموعة (مائلة بزاوية طفيفة، كما لو أنه للتأكيد على عملية الإنتاج الضخم) وآلة ختم تختم أرقامًا تسلسلية تصل للملايين.»

مايكل بريسويل، «كان هذا العالم الحديث – الجزء الأول»

 

بالنسبة لـ«هان كانغ» فإن الأبيض ليس سطحًا «أصليًا» وليس لوحًا للرسم؛ إنه يخفي، إنه ثلج، سحابة، فروٌ أبيض على بشرةٍ متوردة، «لونٌ أبيض داخل رأسه»، «ريشٌ، ريشٌ يتساقط» يجعل جمال الكتاب بشكلهِ المادي (مثل كل طبعات بورتوبيللو) تدرك باستمرار مدى بياضه، فالغلاف والروابط بيضاء ونصف الصفحات فارغة لم تمسّها المقالات القصيرة. باستثناء ذلك، في إحدى صياغات «كانغ» الخاصة، النص عبارة عن: «كتابة سوداء تنزف عبر الورق الرقيق». من وراء مئات النتوءات البيضاء، تكشف كلماتها المطعّمة بالجهد والألم عن نفسها.

 

«أشعر بأني أزخر بالألوان عندما أرتطم بسطحٍ أبيضٍ حاد»

– زورا نيل هيرستون، «How It Feels To Be Colored Me»

«طالما أن العرق مسألةٌ تنطبق على الشعوب غير البيضاء فقط، وطالما أن الشعوب البيضاء لا تسمى ولا ينظر إليها عرقيًا، هم/نحن تكون بمثابة معيار إنساني»

– ريتشارد داير، «أبيض»

 

سيكون من السهلِ مقارنة هذا مع الأفكار الغربية المعاصرة عن «البياض» والأصالةِ والظهور المتقلب لـ«اليمين البديل» كما لو أن معاملة «كانغ» للّون جاءت من قبيل المصادفة؛ بالرغم من ذلك لو أن كُتبها السابقة أثبتت أمرًا؛ فسيكون تبصّرها بالعواقبِ السياسية للأفعال والصور والكلمات. في أشد انعطافات «الكتاب الأبيض» الرمزية المعقدة حدةً، نرى بأن الفراشات البيضاء التي تقود المرء بين منعطفات الحياة (لكي “لا تلمح شيئًا من الماضي في حال ألقت نظرة عجلى إلى الوراء”) بأنها هي أيضًا «الارتباط غير المرئي» لأرواحِ ضحايا الإبادة الجماعية، «التي ترفرف حول الجدار حيث قُتل الضحايا […] في حركة لا صوت فيها.»

صياغات «كانغ» معقدة كالكيمياء، لكن ترجمة «سميث» جعلتها بيّنة ومقروءة، حتى في أكثر أجزائها تعقيدًا.

 

«بالطبع كما يعرف الجميع أو يدّعي أنه يعرف، لا يوجد أسلوب محايد وشفاف تمامًا. أثبت سارتر في مراجعته الممتازة لـ«الغريب» كيف أن «الأسلوب الأبيض» لرواية كامو – تجريدي وتفسيري، واضح وسهل – وهو في حد ذاته أداة لصورة «ميرسولت» للعالم (باعتباره عالما مؤلفًا من لحظاتٍ عبثية واعتباطية). إن ما يطلق عليه رولاند بارت «الكتابة عند درجة الصفر» -والتي تعني تحديدًا الكتابة على نحو مضاد للاستعارة والتجرّد من الصفات الإنسانية- هي كتابة انتقائية ومتصنّعةكأي أسلوب كتابة تقليدي. ولكن على أي حال، مفهوم الكتابة عديمة الأسلوب أو الفن الشفّاف أشد خيالات الثقافة الحديثة إلحاحًا. يتظاهر الفنانون والنقاد بالاعتقاد بأنه لايمكن إبعاد الفن عن التصنع كما لا يمكن أن يتخلى الشخص عن شخصيته، ولكن مع ذلك ما يزال الطموح باقيًا، مخالفة دائمة للفن الحديث بأساليبه المتغيرة في لمح البصر.»

سوزان سونتاغ، «حول الأسلوب»

 

لم يتطرق الكتاب الأبيض للشؤون السياسية كثيرًا، ككتاب «كانغ» المترجم السابق. فالراوية تعيش في وارسو (بالرغم من أن المدينة تظل بلا اسم) مدينة أعيد بناؤها من جديد لبنة، لبنة، بعد الغارات الجوية النازية، ولذلك فإن عمرها 70 سنة فقط. وتقضي وقتها في التفكير بطفلة أمها الأولى، التي ولدت قبل أوانها وتوفيت في غضون أقل من ساعتين بعد ذلك. موت الطفلة ليس مجرد مأساة عائلية؛ بل الحدث الذي سمح بوجود الراوية في الحياة، وقد شرحت ذلك بقولها: «هذه الحياة لا تحتاج إلا واحدةً منا فقط لكي تعيشها. لو أنكِ عشتِ أكثر من تينك الساعتين، لما كنتُ حيةً الآن» كما لو أنها تخاطب أختها حقًا وكما لو أنها تستمع إليها. في الواقع، إن الجزء الثاني من الكتاب مروي من وجهة نظر أختها كما لو أنها عاشت ولم تمت.

 

«I.20   إذا كان هناك شيءٌ أبيض خلف وسطٍ شفاف ملون فإنه يظهر في لون الوسط، وإذا كان هناك شيءٌ أسود فأنه يظهر أسودًا. حسب هذه القاعدة سيرى الأسود على خلفية بيضاء عبر وسط «أبيض شفاف» كما لو أنه وسط عديم اللون.

1.23 «لا يمكن تصور المياه البيضاء، إلخ» ذلك يعني بأننا لسنا قادرين على وصف (تصور) شكل الشيء الأبيض والأبلج؛ ومن ثم فإننا لا نعرف ما الذي تقتضيه منا كلمات مثل الوصف والتصوير.

II.14   هل الفرق الوحيد هنا هو أن الألوان تبقى مشبعة كما كانت من قبل عندما يسلط عليها ضوء أحمر، في حين أنها لا تكون كذلك عند تسليط الضوء الأبيض عليها؟ ولكن نحن هنا لا نتحدث عن «تسليط الضوء الأبيض على الأشياء» إطلاقًا.»

لودفيج فيتجنشتاين، «ملاحظات حول اللون»

 

استمتعت بقراءة «النباتية» و«أفعال البشر» ليس فقط بسبب وعي «كانغ» السياسي بل أيضًا لتوصيفها البليغ، وللجمال الهادئ الذي تغرسه في الحياة اليومية في كلا من جانبيها، المبتذل جدًا والمأساوي. لكن الكتاب الأبيض كان خاليًا من الشخصيات والراوية هي الشخصية الوحيدة (إن صح التعبير) وهو مبنيٌ من صور مجزأة، لا أحداث. طابعه الشعري أقرب ما يكون لشعر «كلودي رانكين» أو «ماغي نيلسون» Bluets (2009). وتتحول اللغة الشعرية بين الحين والآخر إلى شعرٍ حقيقي، فوصفت رجلًا عثرتْ عليه نائمًا بجوار عمود تلغراف بـ«هو الذي أغرق نفسه في زقاقٍ، وألقى بها في كنف أيدٍ باردة خدرة». تصر دار النشر «بورتوبيللو» على تصنيفها بـ«أدب قصصي» على الرغم من النزعة التجريبيّة التي تصبح واضحةً بجلاء عند الاستطراد في القراءة.

 

«على سبيل المثال، بعد أن وصفتُ وجوه القتلى بأنها «طمست» «expunged» بطلاءٍ أبيض، وعندما استخدمتُ ذات الكلمة مرة أخرى لحجب مخطوطة مسرحية (مقتطفات منها – والمسرحية خليط من المأساة اليونانية وطرد الأرواح الشامانية الكورية – وصفتْ لاحقًا في أحد أبلغ أجزاء الرواية). كان الغرض من ذلك أمرين: تذكير القارئ بأن ما محي ليس كلمات وحسب، وإثارة طبيعة التباين بين الطلاء والحبر، بين الأسود والأبيض، على أمل أن يحاكي ذلك بنية الكتاب القائمة على تراكيب متلاصقة لتناغمات متقابلة.»

المترجمة ديبورا سميث في حديثها عن ترجمة كتاب «أفعال البشر»

 

هنا بعض المقتطفات التي دونتها من «الكتاب الأبيض»:

«أحيانا يبدو جسدي وكأنه سجن، جزيرة جامدة متنقلة تشق طريقها بين الزحام»

«لساعة أبقت عينيها مفتوحتين باتجاه وجه أمنا، لكن أعصابها البصرية لم تحظَ بوقت أبدًا لتستيقظ، ولذا فقد بقي ذلك الوجه بعيدًا عن منالها أبدًا»

«صورة الجمجمة التي تظهر في أشعة رونتغن، هي عظام بيضاء-رمادية في بحرٍ نحاسي»

«بعد أن تمتزج الملابس البيضاء بالهواء، روحٌ ما سترتديها»

 

«من الخطأ الاعتقاد بأن الرسام يرسم على سطحٍ أبيض. فالاعتقاد المجازي نابعٌ من هذا الخطأ: لو كان الرسام أمامَ سطحٍ أبيض؛ فسيتمكن من إعادة إنتاج مادة خارجية عليه تكون بمثابة نموذج. ولكن ليس ذلك ما يحدث، إذ يدور في عقل الرسام أشياء كثيرة، أو حوله، أو في مرسمه، وكل هذه الأشياء موجودة مسبقًا في لوحة الرسم، موجودة بمعنى ما على نحو تقريبي، وبمعنى ما موجودة فعليًا. كل شيء موجود على لوحة الرسم، كصور لا حصر لها حقيقة كانت أو مستوحاة، وفي هذه الحالة الرسام لا يملأ سطحًا فارغًا، بل سيفرغه ويجلوه وينظفه، فهو لا يرسم إعادةً لإنتاج مادة خارجية تكون بمثابة نموذج على لوحة الرسم، بل هو يرسم على صور موجودة مسبقًا، بهدف إنتاج لوحة تعكس العلاقات بين النموذج والنسخة.»

جيل دولوز، «فرانسيس بيكون: منطق الإحساس»

      تأمل الراوية في مطلع الكتاب الأبيض بأن تكون «عملية الكتابة» «تحويلية، وأن تتحول هي نفسها» إلى غطاء أبيض آخر، إلى مرهم وشاش. وتتساءل: «هل يمكن بأن أسمح لنفسي بالاختفاء بين هذه الجمل، مغطاة بالشاش الأبيض؟». الكتاب الأبيض ليس مرضيًا كثيرًا ككتاب كانغ الآخر، وربما كان ذلك ضروري؛ لأن الرضا يتضمن كمالاً، وهي تجاهد ضد الكمال. من الواضح جدًا بأنه كتاب «سيرتها الذاتية»، وهذا ما تلمسه فيه: شخصي جدًا. بالكاد تخفي كانغ نفسها في الكتاب، ولكن ذلك لا يعني بأنها لا تراوغ فيه.

 

«ليس كل هزيمةٍ هي هزيمةٌ محضة – طالما أن العالم الذي تفتحه مجهولٌ مسبقًا

عالمٌ ضائع

عالمٌ مجهولٌ يومئ إلى أماكن جديدة

وليس هناك بياضٌ (مفقود) شديد البياض كذاكرة البياض»

ويليام كارلوس ويليامز، «السقوط»

 

 

المصدر

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق