مراجعات

جون ماكسويل كويتزي عن الخريف والعزلة وأشياء أخرى – سعيد بوكرامي

 

السعادة تمحو الشيخوخة – فرانز كافكا

 

منذ سنوات و الروائي الجنوب إفريقي جون ماكسويل كويتزي، الحاصل على جائزة نوبل عام 2003 ، ينوع في أساليبه السردية، التي بدأت برواياته العظيمة: ” في انتظار البرابرة” أو “عصر مايكل ك وحياته” أو “خزي”، لكنه في السنوات الأخيرة اقتصرت كتابته على جنسي المذكرات و المراسلات و القصة القصيرة، مُبديًا عزوفًا واضحًا عن كتابة الرواية. وتأكيدًا لهذا الاختيار يتحفنا كويتزي بمجموعة القصصية وَسَمها بـ “المسلخ الزجاجي”. وهي تتألف من سبع نصوص حول شخصية مركزية، تعرفنا عليها سابقًا في رواية سابقة لكويتزي، وهي شخصية الكاتبة الأسترالية إليزابيث كوستيللو، لكنها هنا تعيش خريف عمرها، بكل تحولاته النفسية والاجتماعية والأخلاقية. لا يمكن لقارئ هذا العمل السردي الثريّ ألا يتوقف عن دلالة توظيف موضوع الشيخوخة كصدى لحقيقة الوضع الاجتماعي لفئة اجتماعية، صارت اليوم فئة عريضة تفرض حضورًا قويًا اجتماعيًا وأخلاقيًا.

تقدم “المسلخ الزجاجي” أنموذجًا معبرًا عن هذه الفئة الاجتماعية من خلال امرأة، كاتبة، تواجه غارات الشيخوخة. يجعلها كل يوم يمر قاب قوسين وأدنى من الظل والنسيان، تكتشف هذه المرأة التي كانت منتجة ومبدعة وأمًا، بهدوء ووعي تلاشي قدراتها الذهنية، لكن أبناءها سيسابقون الزمن من أجل توفير العناية اللازمة لها. يشعرون بالقلق تجاهها، فيحثونها على مغادرة عزلتها، غير أنها تواجههم بالرفض مفضلة مواجهة حتمية الموت بحرية واستقلالية، متسائلة في النهاية، وبلا هوادة، عن معنى وجودها، وكذلك عن جوهر الطبيعة العميقة لإنسانيتنا. في هذا المقام تشبه البطلة الكاتبة الفرنسية ناتالي ساروت، وتجربتها الابداعية والوجودية، يضاعف كويتزي الجمل الاستفهامية التي تمنح شخصيته طابعها المتشكك والاستفهامي وإلحاحها على مواجهة تعقيدات الحياة بسخرية عارمة، وإيقاعها المؤلم الشبيه بسير بطيء وراء جنازة في يوم غائم.

وإذن نحن، هنا، أمام متن سردي مترابط ومستقل في الآن نفسه، يشبه في تركيبه قطع بوزل، تحتاج منا كي نخلّصها من حالة التفكك واللامعنى إلى جهد قرائي وتحليلي لعلها تنتقل إلى حالة التركيب والمعنى، ولن يتجلى هذا المعنى إلا في ظل الحياة والذكريات، والأفول التدريجي نحو نهاية الحياة، التي تظهر مؤشراتها على الشخصية، بحيث يبدأ وضعها الصحي في التظهور، لكنها ترفض التخلي عن منزلها، على الرغم من ضغوط أبنائها. وهنا تبرز مهارة كويتزي في التعامل مع موضوعات معقدة بأناقته اللغوية وتعلقه المعتاد بتحليل الجوانب الانسانية المعتمة، مثل العلاقات الأسرية والشعور بالذنب ومعاناة الحيوانات والشيخوخة، بالكثير من العمق الأدبي والفلسفي.

ليس كل شيء بالضرورة مهمًا للغاية وذا دلالة ويمكن الكشف عن خباياه في هذه القصص المليئة بأشباح الماضي وسويداء الحاضر، وغموض المستقبل، لكنها بالمقابل تغمرنا بلذة قرائية مردها التجربة النثرية الساحرة للروائي العظيم كويتزي، التي خاضها منذ ” صيف الحياة” الصادر عام 2010، ويمكن أن نطلق عليها ” السيرة الذاتية المتخيلة” التي بدأها بتخيل نفسه ميتًا ثم شرع بسرد تعليقات الآخرين عنه. يبدو أن اهتمام الكاتب بعامل الزمن وصيرورته من البدايات إلى النهايات بل توقفه عند تيمات الموت والشيخوخة له علاقة لصيقة بتقدم الكاتب في العمر فهو من مواليد 1940.

يذهب “المسلخ الزجاجي” إلى أبعد من ذلك، لأن الكتاب ليس سبعة نصوص قديمة أو جديدة فقط؟ – كتبت بين عامي 2003 و2017، ولكن كويتزي يعثر أيضًا على سيدة خياله المزدوج، وقرينته الأبدية ككاتب، إنها الكاتبة الأسترالية الشهيرة إليزابيث كوستيللو، التي أفرد لها فيما مضى رواية كاملة وعالمًا تخييليًا قائمًا بذاته. ينعكس هذا الشغف مرة أخرى في سبع شظايا، مرآة تتشظّى سرديًا إلى وجهات نظر متعددة عن امرأة في مراحل مختلفة من عمرها، ولا سيما في المرحلة الأخيرة من عمرها حيث بدأت تشك برغباتها وذكرياتها، وتتساءل عن وحدتها ومعنى وجودها الذي يدنو تدريجيًا من نهايته. تقول إليزابيث لأبنائها الذين ربما يرغبون بإقناعها للتخلي عن حياتها النائية والمنعزلة والدخول إلى دار المسنين: “ربما يتعلق الأمر بحكاية ستنتهي، دون أن نعرف إلى أين سنذهب”. هكذا هي حرة وغريبة الأطوار، ولكنها ترفض أن تُختصر في هوية ثابتة، وتُساق إلى المسلخ كما تساق الخيول المتقاعدة.

يأخذنا الكاتب إلى عوالمه المفضلة من خلال البدء بثلاث قصص قصيرة عن ثلاث مشاعر هي: الخوف والرغبة والتلاشي لشخصية تتقدم في الشيخوخة. هذه المشاعر يمنحها الكاتب للمرأة، ويرصد تجلياتها العميقة في حياة الشخصيات ومن خلال تمرير منمنمة من الكلمات والأفكار. ثم نصل إلى جوهر التيمة في القصة الرابعة: “امرأة تتقدم في العمر” حيث تأخذ الشخصية اسمًا، دالًا وهو كما قلنا “إليزابيث كوستيللو” التي تبلغ 72 سنة. نسمعها، تتحدث مع أبنائها وواضح أن سوء فهم صارخ يتجلى من علاقتهم، فتصبح حجة كل طرف من الأطراف مقبولة. لكننا لسنا أحرار في النهاية أمام شرط الحياة؟ وهنا تتسع الفجوة، هل من حق الأبناء أن يختاروا ويقرروا بدل الآباء؟ ومن يمنحهم الحق في أن يتحولوا من أبناء إلى آباء لأبائهم وأمهاتهم؟ …

يقول الساردّ: “كما يعتبر الربيع موسم المستقبل، فالخريف هو الموسم الذي ينظر فيه إلى الوراء. الرغبات التي تتصورها ذاكرة خريفية هي رغبات خريفية، وحنين مكدس في الذاكرة. لم تعد لديها حرارة الصيف. حتى عندما تكون متوهجة، لأن وهجها شديد التعقيد ومتعددة الأوجه، فهو يتطلع دومًا إلى الماضي بدلاً أن يتطلع إلى المستقبل “.

ثم يواصل المؤلف سبره العميق الاجتماعي والأخلاقي من خلال عرضه صعوبة التحدث عن الحقيقة في موضوعات تتعلق بالمحظورات. أولاً مع “الأكاذيب”: هل يمكننا أن نعيش بطريقة مختلفة عن الصورة التي يريدها منا أو يتوقعها منا أقاربنا؟ الأمر شبيه بالوقوف أمام “مرآة الحقيقة” التي ستكشف حقيقتنا داخل الأسرة، لكننا نتجنبها، ونهرب منها. لكن موضوع نهاية الحياة يشق طريقه ويجعل الجيل التالي يدرك أنه في يوم من الأيام، سيعيشون هم أيضًا الموقف نفسه. لهذا لا بد من التصالح مع الذات، ليتمكن المرء من عيش السكينة مع نفسه وتجاه الآخرين، أو نواصل الصراعات الاجتماعية والثقافية مفسحين المجال لمزيد من الزيف والخداع والأنانية.

في القصة الأخيرة، ” المسلخ الزجاجي” والتي منح عنوانها لهذا الكتاب وتعتبر الأكثر عنفًا. تتساءل إليزابيث عما إذا كان من الممكن بناء مسلخ من الزجاج حتى يتمكن العالم من أن يستيقظ ضميره وهو يرى كيف يقتل الانسان الحيوانات ببشاعة، لكي يحصل على طعامه ويلبي احتياجاته الجامحة. كيف تساق بوحشية لإنهاء حياتها. وهنا سيدرك القارئ اللبيب أن كويتزي يوظف الصورة كاستعارة عن الطريقة التي يعامل بها كبار السن، في خريف حياتهم بحيث يجردون من انسانيتهم ويحرمون من التعبير عن مشاعرهم، ورغم تواجد مؤسسات تستقبلهم، فإن الأمر لا يعدو نوعًا من البحث عن طمأنينة مصطنعة بالنسبة للأسرة، والمجتمع، ربما قد تخفف من الشعور بتأنيب الضمير.

ليس”المسلخ الزجاجي” سردًا وجوديًا وحقلًا تجريبيًا لتدوين حياة الشيخوخة بآلامها وآمالها وأحلامها فحسب. بل ميدانًا لعرض وجهات نظر اجتماعية وأخلاقية متناقضة. حيث يحاول الأبناء إخراج آبائهم من دائرة الضرر الذي قد يلحقوه بأنفسهم. لنشهد معركة حقيقية بين الواجب وشرط الحرية.

في النهاية، ستطلب إليزابيث المساعدة. لكن هل فعلت ذلك حقًا؟ تشعر أنها أصبحت عاجزة، وهذا حقيقي، فترسل لابنها، وهي الكاتبة المحترفة طردًا مليئًا بالملاحظات واليوميات والمخطوطات، لكي يضعها في مكان آمن. وفي حالة وفاتها سيتمكن من قراءتها أيضًا، وربما فهم أمه بشكل أفضل. لأنه حتى وإن استبدّ بها مرض الزهايمر، فإن الأم لن تستسلم أبدًا وهي على عتبة النسيان الكليّ، بل ستبقى مرة أخرى غير مستعدة للتخلي عن أي شيء.

يضع كويتزي كل نص من نصوصه تحت تأثير مؤلف معين، فتارة نشعر بهالة القديس أغسطينوس، وتارة أخرى نلفي طيف روبرت موزيل، وفي أحيان أخرى تتسرب ظلال دوستويفسكي من الكينونات الانسانية الأشد عتمة. لكن بين هذا وذاك يتردد سؤال حميم، يتحول إلى هاجس: من هي إليزابيث حقًا؟ في المستوى العميق للنص، فهي انعكاس حميم لفنّ كويتزي وقدرته الواسعة على الكتابة: هل تسمح للناس بتغيير عميق لحياتهم؟ أو أنهم يعيشون فقط حياة أخرى غير حياتهم؟

في الأخير، لا بد من التذكير بأن قصص كويتزي تبئر تيمة الشيخوخة كوضع اجتماعي معقد في المجتمعات المعاصرة، لكن لا ننسى أن تيمة الشيخوخة سبق تداولها في المتون الأدبية السابقة سواء القديمة أو المعاصرة.  نذكر على سبيل المثال لا الحصر: فيكتور هيغو، أوجين لابيش، ألكساندر دوما، فيكتوريان ساردو، هنري بيكيه، جورج كورتلاين وأوجين بريوكس، وغيرهم. فقد مر استثمار التيمة من خلال صيرورة تاريخية طويلة، أصبحت الشيخوخة، كمجموعة عمرية ومجموعة اجتماعية، تمثل نظامًا من القيم والتمثيلات. وتعد مرحلة مختلفة من الحياة لها خصائصها المميزة. من بينها الاستعداد للموت والنضال من أجل الحياة. كما انتقلت من صورة سلبية إلى صورة ذات قيمة، من شخصية من الدرجة الثانية إلى وضعية البطل العادي، ومن وضع قانوني غامض إلى الاعتراف بالحقوق الكاملة في إطار المواطنة الكاملة. لقد تغير تمثيل الشيخوخة في الأدب والمجتمع. من “الشيخوخة / الخبرة والحكمة” إلى “الشيخوخة / البؤس والموت”، ولكن أيضًا من خلال الأفكار الأخلاقية المتعلقة بمكاسب المرأة المعاصرة على وجه الخصوص، التي يعتقد المحيط الأسري أنها بحاجة إلى الرعاية الاجتماعية. وأخيرًا، هناك قطيعة جوهرية في مفهوم الشيخوخة ذاته، حيث إن النطاق العمري يتفاوت من حيث المستويات العمرية على مستوى الحياة والرعاية، المرتبطة بشكل خاص بصحة أو حق المسنين في اختيار طرق حياتهم بحرية وعدالة. يمرر كويتزي خطابًا أخلاقيًا يدعونا إلى ضرورة النظر إلى المسنين، الآن كمواطنين كاملين وليس تكريسًا للهوية الاجتماعية الجديدة التي يجب البحث عنها في المحو التدريجي للخصائص والقوالب النمطية، التي تم بناؤها أو التعاقد عليها، إلى حد ما، ووضعها في المقدمة في سياق مضاعفة عملية إضفاء الطابع المؤسسي وإضفاء الشرعية على وضع وهوية محددة لهذه المرحلة العمرية، التي قد تكون غزيرة بالعطاء والابداع، إذا توفرت لها الشروط النفسية والاجتماعية لتحقيق ذلك.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق